عالمان أمريكيان يتهمان حكومتهما بالعلم المسبق بزلزال سومطرة وعدم إبلاغ الدول المعنية
الشرطة الهندية تفرق الناجين من الزلزال في مخيم دفنياه للمنكوبين أمس
مارسيل عقل، باريس:
أثيرت تساؤلات عديدة في أعقاب زلزال سومطرة وموجات المد التي أعقبته والتي أدت إلى كارثة بشرية هائلة، عما إذا كان ممكنا تفادي ما حصل أو تخفيف الخسائر .ويقول عدد من الخبراء إنه كان بالإمكان فعل ذلك لسببين: الأول أن الخبراء الأمريكيين العاملين في "الإدارة الأمريكية الوطنية للمحيطات والأجواء" (ناشيونال أوسيانيك آند أتموسفريك أدمينسترايشن" أبلغوا مسبقا المسؤولين في القاعدة الأمريكية في دييغو غارسيا التي لم تتعرض لأضرار، وأنذروها بوقوع الزلزال والمد العاتي تسونامي. بيد أن هؤلاء لم يكلِّفوا أنفسهم عناء الاتصال هاتفيا بحكومات الدول الآسيوية المعنية، بل اكتفوا بإرسال رسالة إلكترونية عبر الانترنيت. ويقول مواطنان أمريكيان هما سارة فلاوندر وداستين لانغلي ويعملان في المركز الدولي للعمل في الولايات المتحدة، أن المسؤولين في قاعدة دييغو غارسيا لم يكلفوا أنفسهم كذلك عناء التأكد من وصول الرسالة الإلكترونية أو ملاحقة ما يجري في المحيط الهندي رغم علمهم المسبق والأكيد بالزلزال والمد العاتي الذي نجم عنه. والسبب الثاني لإمكانية تجنّب الكارثة، هو عدم وضع آلات قياس التسونامي (تسوناميتر) في المحيط الهندي رغم أن كلفة الآلة الواحدة لا تتعدى الـ 250000 دولار. فهذه الآلات هي نوع من العوامات المزوّدة بآلات قياس الزلازل قادرة على تحسّس الزلازل قبيل وقوعها و قياس قوتها والمخاطر البحرية الناجمة عنها. ومنذ خمسين عاما، وضعت الولايات المتحدة 50 "تسوناميتر" لحماية سواحلها من احتمالات المد العاتي، فلماذا لم يتم وضع هذه الآلات في المحيط الهندي المعرّض للزلازل والموج العالي أكثر من سواه.
ويبدو أن عددا من العلماء الأمريكيين والآسيويين كانوا طالبوا بوضع آلات قياس التسونامي في المحيط الهندي عبثا بسبب "الكلفة المرتفعة" لها.
وتتهم سارة فلاوندرز وداستان لانغلي الولايات المتحدة بالأنانية والذاتية ويعتبران أن كلفة آلة التسوناميتر لا تعادل شيئا مقابل نفقات البنتاغون في الثانية الواحدة، إذا ما عرفنا ان نفقات وزارة الدفاع الأمريكية تتعدى المليار ونصف المليار دولار في اليوم الواحد. و تساءلا عن ثمن الحياة الإنسانية في نظام العولمة؟ وهل يتغير ثمن هذه الحياة وفقا للبلد الذي تتحدر منه؟ هل تساوي حياة الأمريكي أكثر من حياة الآسيوي؟ وكم هو عدد الضحايا الذين كانوا اليوم أحياء لو تمّ إبلاغ السلطات المعنية في الوقت المناسب؟
ويقول العلماء إن دقائق كانت كافية للسماح لمئات الآلاف من الموجودين في المنطقة بالتراجع 10 أو 15 مترا وإنقاذ حياتهم. ويطرح هؤلاء مسألة "الاحتقار الهائل" لحياة سكان العالم الثالث، والسياح الموجودين فيه من قبل أكبر قوة في العالم تدّعي القدرة على التحكّم في مصيره ومصير شعوبه وتريد فرض "الديمقراطية والحقوق والمساواة" على شعوبه.
كما أن حكومات الدول الغنية، هي الأخرى موضع اتهام العلماء لرفضها تمويل وضع آلات قياس التسونامي في المحيط الهندي، سيما وأنها ليست المرة الأولى التي تتنافس فيها شركات الدول الغنية لإنشاء مجمعات سياحية في المناطق المعرضة لخطر الزلازل والمد العاتي.
ويتساءل البعض أيضا عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء "لفتة" الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي أعلن عن مساعدة قدرها 350 مليون دولار وعين الرئيسين السابقين كلينتون وبوش الأب للإشراف على المساعدات الخاصة. ويعتبر المراقبون أن للولايات المتحدة مصلحة واضحة في تحسين صورتها في هذه المنطقة الإسلامية من جهة، وفي الدخول بقوتها وعتادها ورجالها إلى هذه الدول وخاصة في إطار حربها المعلنة "ضد الإرهاب".
وتدفع كارثة تسونامي وما نجم عنها من ضحايا وأضرار مادية للتفكير بأنه إذا كانت الكوارث هي من فعل الطبيعية، إلا أن أغلب تبعاتها وانعكاساتها هي من صنع الإنسان الذي يستطيع أن يتجنّبها أو يخفف من وطأتها لو أعطاها الأولوية وخصّص لها النفقات الضرورية. ثم أن المجتمع المتطور المزوّد بأحدث التقنيات وأكثرها فعالية هو مجتمع عبثي إذا لم يستخدم هذه التقنيات لإنقاذ سكانه وتحسين أوضاعهم المعيشية. وبدلا من تكريس المليارات من الدولارات لإخضاع التقدم التقني لخدمة آلة الحرب ، كان من الأجدى تكريسها لإنقاذ الحياة إن في المحيط الهندي أو في العراق أو في إفريقيا حيث يموت مئات الآلاف يوميا من الجوع والمرض.
وإلى متى ستبقى المعرفة حكرا على الدول الغنية؟ الخبراء والمعارف الضرورية كانت موجودة قبل الكارثة، ولكن "ليس في المكان المناسب" لماذا؟ لأن الأدمغة تشتري وتباع مثلها مثل أية بضاعة تافهة.
أخيرا، فإن عالما آخر لا يمكن صنعه فحسب، بل بات ضروريا للحلول محل دكتاتورية المنافع والمصالح الذاتية والأرباح القصوى للشركات المتعددة الجنسيات ومن أجل تعاون وتضامن دولي بين شعوب الأرض