|
اغتراب ذوي الحُجّاج ومعاناتهم في انتظار عودتهم
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فيه يجتمع المسلمون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، وليذكروا اسم الله عند المشعر الحرام، يأتون من مشارق الأرض ومغاربها، ومن شمالها ومن جنوبها بألوانهم وصورهم وأشكالهم المختلفة، ليقفوا بين يدي الله يسألونه مغفرته ورضوانه وجنته، قد جمع الإيمان بين قلوبهم، وأزال الحواجز النفسية بينهم، فكلهم عباد الله إخوانا. وإذا كان الحجاج اليوم يعيشون في عصر ذهبي حيث ينعمون بالأمن والأمان، ويجدون في مكة المكرمة والمدينة المنورة جميع ما يحتاجونه من سكن وطعام وشراب ووسائل اتصالات ومواصلات ومرشدين، فإن الوضع لم يكن كذلك عبر العصور، فقد كان الذاهب إلى الحج إلى قبل أقل من قرن من الزمن تقريبا، يتعرض للمخاطر والأهوال، منها مخاطر الضياع، ومخاطر فقد الطعام والشراب، ومخاطر هلاك الراحلة، وكان أكبر تلك المخاطر وأشدها هولا وإجراما ما كان يقوم به قطاع الطرق من هجوم على قوافل الحجيج، ونهبها، وقتل من فيها، ولذلك كان الذاهب إلى الحج من بعض البلدان يعتبر مفقودا، والعائد منه يعتبر مولودا. وكانت أسر الحجاج تخرج لتوديعهم إلى خارج العمران بالدموع وبالبكاء والخوف من المجهول، ويظلون ينتظرون عوتهم بشوق بالغ، وبأحاسيس يتجاذبها الألم والأمل، والخوف والرجاء. وكان للحج نصيب كبير في قصائد شعراء العرب ومقطوعاتهم الشعرية قديما وحديثا، وتعكس تلك القصائد مشاعرهم وأحاسيسهم وانفعالاتهم حول هذا الركن من أركان الإسلام، وحول التفاعلات التي تتم في الطريق إلى الأماكن المقدسة، أو عند الوصول إليها، أو حول الحجاج الغائبين لأداء الفريضة والشوق إلى عودتهم ورؤيتهم سالمين غانمين من رحلتهم الميمونة.
وقد صور اغتراب ذوي الحجاج، وقلقهم شوقهم لعودتهم إليهم سالمين غانمين، أبو حيان حيان الأندلسي في إحدى قصائده، وكما هو معروف، تقع الأندلس في الركن الجنوبي الغربي من أوروبا، وتعتبر أبعد نقطة من ديار الإسلام في الغرب، ومن يريد الحج لابد أن يستقل السفن إلى المغرب أو الجزائر ويواصل برا إلى مصر، ومنهم من كان يستقل السفن مباشرة إلى مصر أو الشام، ثم يواصل برا إلى الأماكن المقدسة، وبعضهم قد يدرك السفن التي تعبر البحر الأحمر من مصر ومن خليج العقبة إلى جدة أو ينبع.. لقد كانت الرحلة متعبة وشاقة ومضنية، ولكن الشوق إلى الديار المقدسة يخفف من تلك المعاناة ومن ذلك التعب والضنى. وكان أبو حيان الأندلسي شيخا كبيرا عندما حجت ابنته (نضار) وابنه (حيان) وحفيده (صالح) الذي حج طفلا مع أمه وأبيه، وبعد أن مر على رحيلهم للحج ثلاثة أشهر، تذكرهم وهاجت عواطفه وأحاسيسه نحوهم، وثارت في نفسه رغبة جامحة لرؤيتهم وقد عادوا سالمين وغانمين من رحلتهم البعيدة المضنية، وقد فازوا بأداء مناسكهم، وتطهير نفوسهم، وتقوية علاقتهم بربهم، وقد دفعته تلك الأحاسيس والمشاعر إلى الحديث عن اضطرابه وألمه وبكائه في العيد وهو موسم الفرح والاحتفال لفقد فلذتي كبده وحفيده الصغير، الذي ربما كان الشوق إليه يزيد عن الشوق لابنه وابنته، ولكن مطلع القصيدة يشير إلى أن نضار (ابنته) هي السبب الأساس في ألمه وقلقه وهياج أحاسيسه، فقد استأثرت بالأبيات الثلاثاء الأولى من القصيدة، فهو يقول:
إن ذا العيد فيه غابت نضارُ
وأخوها فما لقلبي قرارُ
أدمعي ترتمي على الخد سكبا
وفؤادي مضرم فيه نارُ
صحبا من ودادها وسط قلبي
كل وقت له إليها ادّكارُ
وأخا خيرا عفيفاً حيياً
قد زكا فرعه وطابَ النِّجارُ
فبعد أن يذكر غياب ابنته وأخيها وما أصابه من اضطراب وحزن وحرقة، يذكر أن الديار التي غادراها تشكو وحشة وغربة، أما الديار التي يحلون بها فهي محظوظة، فهم يشرقون فيها كالشموس بالنهار، وكالأقمار بالليل، وتتعطر الأرض بوجودهم فيها، فهو يقول:
أوحشت منهم الديارُ وساروا
بهم تأنسُ الربا والقفارُ
حملت منهمُ الجمالُ جمالاً
ساطعاً منه للورى أنوارُ
أشرقت بالنهارِ منهم شموس
وتجلت في ليلهم أقمارُ
عبقت من شذاهم الأرضُ لما
وطئوها فتربها معطارُ
أما غايتهم من هذه الرحلة فهي الحجاز، مهوى القلوب والأفئدة، شعارهم فيها ذكر الله وقراءة القرآن الكريم، حتى بلغوا الكعبة حيث هناك حطت عنهم الأوزار، وأصبحوا كما ولدتهم أمهاتهم شريطة ألا يرفثوا وألا يفسقوا، وبعد ذلك قاموا بزيارة مسجد الرسول وقبره الشريف في المدينة المنورة:
قاصدين الحجاز للحج راحوا
لهم الذكرُ والقران شعارُ
بلغوا كعبة الإله وحجوا
فبها حطّت عنهم الأوزارُ
ثم زاروا للمصطفى خير قبر
فيه خير الخلائقِ المختارُ
أما حفيده الصغير صالح، فقد حن له القلب، لأن في رحلته عبره حيث حج صغيرا، وهو أمر غير معتاد قديما وحديثا، وبهذا تميز صالح على أقرانه من الصغار، ونال ما لم ينالوه من شرف أداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام.
حن قلبي لصالح ولعمري
إن ترحاله لفيه اعتبارُ
حج طفلاً معْ أمه وأبيهِ
نال ما لم تنله قط الصغار
هم أناس حجوا وزاروا وفازوا
ساعدتهم في ذلك الأقدار
ثم يشكو حاله وشيخوخته ووحدته وغربته فيقول:
وأنا الشيخُ أخرتني ذنوبي
فعسى أن يسامح الغفارُ
خلفوني وحدي غريبا فريدا
كل حين يشوقني التذكار
أتراني أحيا أشاهد حيانَ
وتبدو لناظري نضارُ؟؟
زهرتا مهجتي ونور فؤادي
وأنيساي إن عراني افتكارُ
فارقاني شهرا وشهرا وشهرا
ما لقلبي على الفراق اصطبارُ
يا نسيمَ الصبا ألا احمل سلامي
للأحباء حيث شط المزارُ
قلت للنفس وهي ذات اضطراب
استكنَّ، فقد تقضى السفارُ
قد أتانا مبشر بالتداني
وغدا تجمع الحبيب الديارُ
إنها قصيدة تفيض بالمشاعر والأحاسيس، تجمع بين الخوف والرجاء، وبين الأمل والأسى، فأبناء الشخص قطع من نفسه، وإذا بعدوا عنه يكون جزءا من نفسه قد فارقه فيسعى للم الشمل، وجمع الأقارب والأحباب. وهو شعور يتكرر دائما مع أقارب الحجاج، ولكن اتصالات اليوم تتيح للحاج الاتصال بأهله من وقت إلى آخر، ولكن ليست جميع الديار التي قدم منها الحجاج في خدمات هاتفيه، وعلى هذه الفئة من الناس تنطبق أحاسيس ومشاعر أبي حيان الأندلسي.
|