قبل يوم واحد من الانتخابات المزمعة في العراق ضجّت جوامع المدن السنية في العراق بصوت واحد تندّد بالانتخابات، وتشرح بإسهاب أسباب انسحاب السنة منها من خلال خطبة الجمعة، فيما يُعتقد أن الحزب الإسلامي العراقي- الواجهة السياسية للإخوان المسلمين في العراق- هو من نشر هذه الخطبة على الجوامع السنية بغرض توعية المسلمين بما يدعم وجهة نظر الحزب في القضية، وقد قامت قوات الاحتلال الأمريكي باعتقال العشرات من خطباء الجمعة وساقتهم إلى جهة مجهولة، وقد بلغ عدد خطباء الجوامع السنية الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال أكثر من خمسة وعشرين خطيباً بتهمة التحريض ضد الانتخابات العراقية، وقال مصدر في الوقف السني: إن الاعتقالات شملت المستشار القانوني لديوان الوقف السني المحامي أحمد النداوي وإمام جامع المحمودية علي عبدالرحمن وإمام جامع الأقصى الشيخ أحمد الجنابي والعضو القيادي في الحزب الإسلامي العراقي المقاطع للانتخابات هاشم يحيى، فضلاً عن مداهمة منزل الشيخ ظاهر الضاري شقيق رئيس هيئة علماء المسلمين حارث الضاري، مشيراً إلى أن عدداً من خطباء الجوامع في الرمادي والموصل وتكريت تم اعتقالهم في اليومين الماضيين من غير أن تقدم قوات الاحتلال سبباً واضحاً لهذه الاعتقالات!
ويمكن تلخيص خطب الجمعة التي ألقيت من خلال منابر الجمعة في مدن السنة من خلال متابعتنا على النحو التالي:
موضوع الخطبة أشار إليه خطباء الجمعة إلى أنه(موضوع جد خطير) ويتعلق بمصير أهل السنة والجماعة في العراق، فيما قال البعض الآخر من الخطباء: إنه (يتعلق بمصير البلد كله).
- إن رفض أمريكا تأجيل الانتخابات وإصرارها على إجرائها في الوقت المحدد لها مع علمها أن شريحة واسعة من الشعب العراقي لن يشاركوا فيها وخاصة في المحافظات السنية ذات الأغلبية السنية، إن هذا الإصرار العجيب من أمريكا وبعض الأطراف العراقية على إجراء الانتخابات في موعدها يؤكد لنا حجم المؤامرة التي تُحاك لهذا البلد؛ وذلك لأن أمريكا لا تريد لمن يعارض مشروعها من العراقيين أن يشاركوا فيها؛ إذ لو أُتيح لهم ذلك وهم الأغلبية من الشعب العراقي -حيث تبلغ نسبة سكان المحافظات المعارضة للانتخابات أكثر من54% من سكان العراق حسب إحصاء وزارة التخطيط – فسوف يحصلون على أغلب مقاعد الجمعية الوطنية وهذا ما لا تريده أمريكا؛ لأن وصول المعارضين للمشروع الأمريكي للجمعية الوطنية سيسبب عرقلة هذا المشروع.
- كيف تجرى انتخابات شرعية ونزيهة وغالبية الشعب لن تشارك فيها؟ فهذه الانتخابات بهذه الصورة لو جرت فإنها لا تمثل الشعب العراقي، ولن يعترف بنتائجها؛ لأنها عبارة عن مهزلة ومسرحية تديرها أمريكا وبعض الأطراف العراقية.
-أهل السنة لن يقبلوا بأي مشاركة شكلية في الانتخابات، كما يصور ذلك بعض الناس في وسائل الإعلام بأن أهل السنة لا يقاطعون الانتخابات؛ بحجة أن بعض الشخصيات التي هي من أصول سنية شاركوا فيها؛ فهؤلاء الأشخاص لا يمثلون أهل السنة وهم نكرات بالنسبة لهم، فأهل السنة يعرفون من يمثلهم وخلف من يسيرون.
وقد أشار بعض المشايخ الأفاضل إلى قضية كانت بالنسبة لهم محل تساؤل وتعجب وهي اجتماع مصالح إيران ومشروعها في العراق مع مصالح الأمريكان المحتلين؛ رغم ما يظهر من العداء بينهما وتسميتهم أمريكا بالشيطان الأكبر، وهذا الاجتماع في مشروع واحد يسعى في الخفاء إلى دفع أهل السنة إلى عدم المشاركة في الحياة السياسية.
-إن انسحاب أهل السنة من الانتخابات لا يعني هذا أنهم ضد مبدأ الانتخابات أصلاً؛ فأهل السنة ليسوا أقل وعياً من غيرهم بالسياسة والعمل الانتخابي، ولكنهم ضد التزوير والغش والخداع والمؤامرات التي تُحاك للشعب فيها، فلو كانت الانتخابات قانونية وحرة ونزيهة ومن غير أي تدخلات خارجية من قوات الاحتلال أو غيرها من دول الجوار لكان أهل السنة هم أول المشاركين فيها، ولنالوا أغلب أصوات الشعب العراقي باعتبارهم الأكثرية في البلد.
وقد لخص السيد هاشم يحيى الطائي خطيب جامع الصائغ في الموصل والقيادي في الحزب الإسلامي، والذي اعتقل من قبل قوات الاحتلال أسباب عدم مشاركة السنة بما يلي:
1. إن أكثر من ست محافظات ذات أغلبية سنية لم توزع في أغلبها قوائم انتخابية، ولا يوجد فيها مراكز انتخابية كمحافظات الأنبار والموصل وصلاح الدين، وأغلب محافظة ديالا، وأجزاء كبيرة من بغداد وبابل وكركوك، وهذا يعني تهميشاً واضحاً لأهل السنة.
2. عدم وجود آلية صحيحة للتأكد من هوية الناخبين وسهولة تزوير تلك الهويات حيث تم ضبط سيارات محملة بوثائق عراقية متجهة إلى إيران في محافظة العمارة تحوي على مئات الآلاف من الوثائق بدون اسم أو صورة ومختومة بختم وزارة الداخلية العراقية، وقد تم أيضاً إصدار ما يقارب المليون شهادة جنسية عراقية للعائدين إلى العراق في محافظتي البصرة والعمارة فقط، كما تحدث بعض الشهود الثقات أن بطاقات تسجيل الناخبين أخذت تُشترى من بعض الجهات التابعة لأمريكا وبعض دول الجوار حتى وصل سعر البطاقة الواحدة إلى (200$) في بعض المناطق .
3. المفوضية العليا للانتخابات قد تكون في هيئتها الرئيسة مستقلة، ولكن الأحزاب قد سيطرت كلياً على جميع مفاصلها في المحافظات؛ إذ إنك تجد أن حزباً واحداً قد سيطر على موظفي المفوضية في كثير من المحافظات.
4. عدم وجود مراقبين محايدين للإشراف على الانتخابات من قبل المنظمات الدولية العربية والعالمية، ولا من العراقيين أنفسهم بل أغلب اللجان التي ستشرف على الانتخابات قد سيطرت عليها الأحزاب.
5. وصلت تهديدات بالقتل من بعض الجهات لأهل السنة في محافظة البصرة لكل من يحاول المشاركة في الانتخابات منهم.
وعلى الصعيد نفسه أشار استطلاع للرأي جديد أجرته مؤسسة زغبي انترناشيونال لصالح تلفزيون أبو ظبي وأذيع يوم الجمعة أن 76% من السنة العرب في العراق يعتزمون مقاطعة الانتخابات التي تجري يوم الأحد المقبل، وأظهر أيضاً الاستطلاع الذي شمل (805) عراقيين راشدين يعيشون في العراق أن 69%من شيعة العراق و82% العرب السنة يؤيدون انسحاباً سريعاً للقوات الأمريكية، إما فور تولي حكومة منتخبة السلطة أو بعد ذلك، وأظهر الاستطلاع الذي بلغ هامش الخطأ فيه 3.6 نقطة أن من المحتمل ألاّ يصوت في الانتخابات التي تجري في 30 يناير كانون الثاني سوى 9% فقط من السنة العرب في حين أن من المحتمل او من المؤكد أن يصوت نحو 80 في% من الشيعة.
وأُجري الاستطلاع في بغداد والحلة وكربلاء وكركوك بالإضافة إلى محافظتي ديالا والأنبار خلال الفترة من 19 يناير كانون الثاني حتى 23 من الشهر نفسه، أعرب نصف الشيعة الذين تم استطلاع آرائهم و64 % من السنة أن الولايات المتحدة "ستضر" العراق خلال السنوات الخمس المقبلة على الرغم من أن الأكراد يقولون: إنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة ستفيد البلاد، وقد توصل إلى أن 53 %من العرب السنة يعتقدون أن الهجمات المستمرة في العراق شكل مشروع من أشكال المقاومة.
يبقى السؤال قائم والتحدي قائم: هل الحرب الأهلية هي نهاية المطاف الذي تخطط له قوات الاحتلال الأمريكي؟ خصوصاً إذا ما علمنا أن صحيفة (الجارديان) نشرت خطة سريّة لانسحاب القوات الأنجلو أمريكية من العراق بعد الانتخابات وإحلال الشرطة العراقية محل (150000) ألف جندي أمريكي، والكل يعرف أن الشرطة العراقية لا تملك القدرة ولا الإمكانية للسيطرة على الوضع العراقي المتردي المتدهور في ظل حكومة ستفرزها انتخابات كردية شيعية.