كثيرة هي الملاحظات التي بوسع المراقب أن يبديها على الانتخابات العراقية التي أُجريت، حتى قبل صدور نتائجها النهائية خلال الأسبوع القادم، وهي النتائج التي قد تستحق تحليلاً آخر، لكنها لا تغير في جوهر الملاحظات والقراءات السياسية التي يتضمنها هذا التحليل.
لعل الملاحظة الأولى التي تستحق الانتباه هي تلك المتعلقة بما رافق يوم الاقتراع من تفجيرات أعلن تنظيم الزرقاوي مسؤوليته عنها، وهنا ينبغي القول: إن تلك التفجيرات لا تملك سنداً شرعياً ولا مبرراً أخلاقياً بحال من الأحوال، فضلاً عن بؤسها من حيث النظرة السياسية، وفي كل الأحوال فإن من ذهبوا إلى صناديق الاقتراع ليسو كفرة مستباحي الدم كما هو رأي من خطّط للعمليات، وهي في كل الأحوال نظرة لا تختلف عن تلك التي ترى في مقاطعة الانتخابات طريقاً إلى جهنم، مع أن المقاطعين كانوا أقرب إلى المنطق من سواهم، لا سيما وهم يعلنون رفض عملية سياسية يرعاها محتلون، لا يشك عاقل في أنهم لم يأتوا من أجل منح العراقيين فرصة التمتع بالحرية والديمقراطية!!
المصيبة أن من أفتوا بقتل المقترعين لم يفعلوا ذلك بدعوى مساعدتهم أو تعاونهم مع الاحتلال، بل أفتوا بذلك لأن الشيعة كفار من جهة، ولأن الديمقراطية كفر من جهة أخرى، ولو تتبعنا هذا النهج لكان من الصواب، وربما الواجب قتل الشرطة والمقترعين في أي بلد عربي أو إسلامي يجري انتخابات برلمانية، وهو جنون لا ينبغي للعلماء المخلصين أن يسكتوا عنه.
ملاحظة ثانية تتعلق بالاحتفاء المبالغ فيه بمسألة التصويت والإقبال غير المتوقع عليه، وهنا ينبغي التذكير بالنسبة الأولى التي أعلنت، وهي 72% ، تغيّرت بعد ذلك لتغدو في حدود الـ 60%.
إن ما ينبغي التذكير به هنا هو أننا إزاء عملية انتخابية يشرف الاحتلال عليها من أولها لآخرها، كما إن جميع المشاركين فيها معنيون بإظهارها في أحسن صورة، الأمر الذي يدفع إلى التشكيك بأية معلومات تخص تلك الانتخابات.
مع ذلك دعونا نتعامل مع الأرقام المعلنة، ذلك أن مشاركة 60% من العراقيين لا يشكل انتصاراً يستحق الاحتفاء لأكثر من سبب، لعل أبرزها هو أننا لسنا أمام حالة انتخابية عادية يشارك فيها من يشارك، ويمتنع فيها من يمتنع لأسباب عادية قد تكون مجرد الاستمتاع بيوم العطلة أو الكسل العادي أو العزوف الطبيعي، بل هي حالة ذات خصوصية مشهودة، ذلك أن نسبة المشاركة في الوسط الشيعي لا يمكن أن تقل عن تسعين في المائة، وبالطبع في ضوء الحشد المذهبي الذي أعطى المشاركة صفة التكليف الشرعي، فيما جيء -بحسب بعض المصادر الموثوقة-بعشرات الآلاف من الكراسي المتحركة من الخارج من أجل جلب العجزة وكبار السن إلى مراكز الاقتراع. أما الوسط الكردي فإن الحشد القومي لا بد أن يفعل الشيء ذاته، لا سيما وأن أحداً في ذلك الوسط لم يتبنّ خيار المقاطعة.
من هنا يمكن القول: إن المقاطعة كانت حكراً على العرب السنة الذين شارك بعضهم رغم ذلك لاعتبارات عشائرية، وربما بسبب مشاركة جهات له صلة ما بها، إضافة إلى بعض الفئات الأخرى المحدودة التأثير في الوسط الشيعي، لا سيما وأن التيار الصدري قد شارك عملياً في الاقتراع، وإن غاب عن الترشيح، أقله في الجانب المعلن.
إن مقاطعة العرب السنة هي من الأهمية بحيث يصعب تجاهلها، فمن جهة نحن أمام فئة لا يقل تعدادها عن ربع السكان، بحسب أقل التقديرات، وتتمدد على حوالي ستين في المائة من مساحة العراق، ونحن من جهة أخرى أمام فئة تتبنى عملياً خيار المقاومة، وهو الخيار الذي دفع الأمريكان نحو الانتخابات وجملة الخطوات السياسية التي سبقتها.
نأتي هنا إلى الخيارات السياسية التي ستترتب على الانتخابات، وهنا يمكن القول: إن الأمريكان سيكونون أمام واحد من خيارين:
الأول: أن يرتبوا مع الحكومة الجديدة بموافقتهم أو مضطرين مسألة المطالبة بجدولة الانسحاب من العراق، وبالطبع بعد التفاهم معها على طبيعة التعاطي مع المصالح الأمريكية في العراق، وفي هذه الحال فإن المقاومة ستكون قد انتصرت عملياً، أما الحكومة فستضطر إلى التعامل مع العرب السنّة بما يليق بهم في مسألة الدستور والقضايا الأخرى، فيما سيكونون بقواهم المقاومة عيناً عليها بحيث لا يسمحون لها بالتبعية للخيارات الأمريكية، وإن فعلت فإن التمرد عليها سيتواصل.
الخيار الثاني: هو أن يرفض الأمريكان جدولة انسحابهم، تماماً كما فعلت وتفعل معظم القوى الإمبريالية الغازية في التاريخ، فيما يطالبون الحكومة الجديدة بتشريع وجود قواتهم في البلاد، وفي هذه الحال ستتواصل المقاومة، ومعها التمرّد على الحكومة التابعة، وصولاً إلى وضع لا تتمكن فيه الولايات المتحدة من احتمال الخسائر المالية والبشرية وتقرر الرحيل تبعاً لذلك.
خلاصة القول هو أن إجراء الانتخابات قد أبطل مفعول السحر الذي صنعه الأمريكان، وعاشوا عليه طوال الشهور الماضية، وصار عليهم تبعاً لذلك أن يأتوا بسحر جديد يبرّرون به استمرار احتلالهم للعراق، وهو سحر جاء بعد أن انكشفت الألاعيب السابقة، لا سيما حكاية أسلحة الدمار الشامل التي لم يظهر منها شيء، ومعها مسألة الحرية التي ضاعت وسط صراخ المعتقلين المعذبين في سجن أبو غريب وسواه من السجون الأمريكية والبريطانية في العراق.
الانتخابات إذن لن تكون التعويذة التي تخلّص المحتلين من الكوابيس التي ما زالت تلاحقهم منذ عشرين شهراً إلى الآن، فالمقاومة ستتواصل؛ لأن الذين فجروها ومنحوها الوقود لم يدخلوا الانتخابات ولم يعترفوا بها، وهم لن يغيروا مسارهم بصرف النظر عن نسبة التصويت أو شكل الحكومة الجديدة.
أما الذين يعتقدون أن غالبيتهم البرلمانية ستمنحهم حق حكم العراق الجديد، فسيكتشفون وهمهم سريعاً، والسبب هو أن مساهمتهم في تحقيق الاستقلال الحقيقي هي التي ستمنحهم الحق المذكور ضمن نظام عادل وفي بلد موحد، وليس استمرارهم في التعاون مع الاحتلال والحفاظ على مصالحه!!