القدس العربي / بدأ العراقيون - كما الفلسطينيون - يسمعون أنين العدو.
الأنين ليس خافتاً وان لم يعلُ بعدُ إلى حد الصراخ، الواقعة ترتقي إلى مستوى الحدث، فالحرب بيننا وبين أمريكا غير متكافئة بكل المعايير، وفوق ذلك فإن أمريكا في ذروة تفردها وجبروتها ونحن في حضيض زمن الهبوط والحبوط.
لا يجـوز بطبيعة الحال أن نجعل - كما يقول المثل الشائع - من الحبة قبة، لكن لا بأس مع ذلك من بلّ اللسان بقطرة ماء في عزّ العطش المزمن، إنه تذوق الأمل من جدوي العمل.
في التخطيط لغزو العراق رسمت قيادة الحرب الأمريكية لقواتها صورة وردية عن مسيرة الاجتياح بعد أن تدق ساعته، قيل للضباط الميدانيين كما للناس أجمعين: إن شعب العراق سيستقبل الفاتحين بالورود والرياحين، لم يحدث، كذّب العراقيون الادعاءات الأمريكية بكثير من الممانعة وقليل من المقاومة، إلى أن أعلن جورج بوش انتهاء الحرب في جوانبها الرئيسة، فتفجرت المقاومة، وتدفقت وما زالت.
قالوا عنها باديء الأمر: إنها مظهر احتضار لفلول عهد صدام، حتى إذا استعرت زعموا أنها من فعل سلفيين أجانب قدموا من الجوار، ولمّا استمرت ادعوا أنها من صنع منظمــة القاعدة بقيادة عاملها على بلاد الرافدين أبي مصعب الزرقاوي، لكن تبيّن أن قول الأمريكيين كثير وفعل المقاومين أكثر.
بعد عشرين شهراً من قتال مرير بدأ الأمريكيون يئنّون: جنودهم يشكون من أن القيادة قذفت بهم الي حمأة حربٍ خطوط الإمداد فيها طويلة، وأن عليهم مواكبة شاحنات التموين والتذخير بسيارات همفي غير المصفحة حيث على جنبات الطرق تنفجر فيها شحنات ناسفة من صنع أيدي المقاومين، فيسقط الكثير منهم بين قتيل وجريح.
إذ تعلن وزارة الدفاع البنتاغون اعتزامها صرف بلايين الدولارات لتركيب دروع لسيارات النقل، وعربات الدورية الجديدة لحماية تحرك قوافل الإمداد، وضم المزيد من طائرات الشحن لمجهود الإمداد والتموين، إذ يعلن البنتاغون عن هذه الجهود يلاحظ مراسلو الصحف وأقنية التلفزة كما تقول رويترز أن تحليق عدد أكبر من المروحيات فوق البيوت في بغداد يذكر الجميع بأن الهجمات التي شنها المقاتلون على طريق المطار الرئيسي أجبرت العاملين الأمريكيين في مجمّع المنطقة الخضراء (حيث السفارة ومرافق القيادة العسكرية الأمريكية ومقر الحكومة العراقية) على الانتقال جوّاً إلى القاعدة العسكرية الرئيسية فــي المطار.
لماذا الاسترسال في توصيف معاناة الجنود الأمريكيين، ورصد الشكوى والأنين، لنقرأ ونسمع ما يقوله في هذا المجال قادتهم الميامين:
الجنرال ستيفن سبيك قال: إن القوات متعددة الجنسية التي تقودها الولايات المتحدة تواجه عدواً متطوراً للغاية، لقد غاب إذن وأخيراً الحديث عن فلول و عصابات.
الجنرال لانس سميث نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية قال: بمـرارة إن المقاتلين (العراقيين) أصبحوا أكثر فعالية خصوصاً في اعتراض القوافل.
إذا كان الجنرالات الأمريكيون يعترفون بان العراقيين عدو قوي، وأنه يجب عدم الاستهانة بقوته وتصميمه على القتال، فإن الخبراء والمحللين الأمريكيين لا يكتمون إعجابهم بهذا العدو، سايمون هندرسون الخبير في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى لاحظ كما غيره: أنه إذا قام الأمريكيون بعملية عسكرية في الفلوجة فإن المقاومة تذهب تواً لمقاتلتهم في الموصل أو بعقوبة، مستنتجاً أن الوضع يزداد سوءاً بلا شك، فكلما طبقت قوات التحالف تكتيكات لمواجهة استراتيجية للمقاومة، يطبق المقاتلون استراتيجية جديدة!
تشارلز هيمان رئيس تحرير موسوعة جينز لجيوش العالم، يتفق مع هندرسون على أن ليس لدى الأمريكيين ما يكفي من جنود المشاة، رافضاً مقارنة حرب العراق بحرب فيتنام، ومضيفاً أنها أكثر شبهاً بلبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي في أواخر الثمانينات، إذ كثير من التكتيكات تتشابه مع التفجيرات الانتحارية، ثم يدلي هيمان باستنتاج بالغ الدلالة: في النهاية كان لا بد من أن يرحل الإسرائيليون.
أجل رحل الإسرائيليون من لبنان تحت ضربات المقاومة، ألا يستعدون الآن للرحيل من قطاع غزه؟
أليس بسبب ضراوة المقاومة في القطاع، وضع شارون خطة الفصل التي تعني في الواقع الانسحاب بلا قيد أو شرط؟ ألا يقتضي في ضوء هذا الواقع أن تمتنع القيادة الفلسطينية عن مفاوضة العدو الصهيوني حول ترتيبات الانسحاب من القطاع إذا كان ذلك يتطلب الاتفاق على وضع ترتيبات للانسحاب من أربع مستعمرات صغيرة فقط من شمال الضفـة الغربية، فتشرعن إسرائيل بذلك بقاء سائر المستعمرات الكثيفة السكان في قلبها، وعلى مفاصلها، وتُسقط نهائياً من حسابها - وحتى من حساب السلطة الفلسطينية المغلوبة علي أمرها - عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم؟
يتحصل من مجمل ما تقدم بيانه أن الولايات المتحدة وإسرائيل متعبتان (وإن لم تصلا بعد الي حد الإرهاق) من حربهما على المقاومة في العراق وفلسطين، وهما في صدد إيجاد المخرج اللائق منها، صحيح أن العراقيين والفلسطينيين متعَبون أيضاً، وربما مرهقون غير أن المتعَب الحقيقي في الصراع الدائر هو الطاقم الحاكم في بلادنا وليس المقاومة الناشطة والواعدة بتوسيــــع دائرة الاشتباك، أليس هذا ما يحدث في العــراق باعتراف الجنرالات الأمريكيين أنفسهم؟ أليس هذا ما يحدث في فلسطين وآيته حرب الأنفاق التي لم تستطع إسرائيل رغم كل القتل والتدمير والاستباحة وضع حدّ لها؟
إن البحث عن مخرج لائق من الحرب لا يعني بطبيعة الحال أن إسرائيل وأمريكا في صدد وقف الحرب أو التهاون في توفير أسباب النهوض، بها بل يعني الإقرار بالعجز عن كسر إرادة العرب، والتفتيش تالياً عن نهج آخر لتحقيق أغراض الحرب، أو بعضهـا علي الأقل بتكلفـة بشرية ومادية أدنى، من هنا تنبع أهمية أن يدرك العرب لاسيما العراقيين والفلسطينيين أن لا طائل سياسياً في هذه المرحلة تحت دعوات الجنوح نحو السلم، وعقد المؤتمرات الدولية، والتوهم بجدوى التفاوض مع العدو أو انتظار نتائج إيجابية من الانتخابات المزمع إجراؤها في فلسطين والعراق، ذلك أن العدو في كلا الحالين لم يصل بعد إلى درجة الإرهاق التي تستتبع تبدلاً محسوساً في موازين القوى ميدانياً وسياسياً.
المطلوب إذاً المزيد من الصمود، وتصعيداً في المواجهة الميدانية، وتوسيعاً لدائرة الاشتباك، والربط المحكم بين العمل السياسي والعمل القتالي فلا يأتي أي تحرك دبلوماسي بارز إلا نتيجة تقدم ميداني وازن وقابل للترجمة إلى فعل سياسي هادف ومؤثر.
هذه الدعوة موجهة إلى القاعدة الشعبية الداعمة للمقاومة المدنية والميدانية عموماً، ولقيادات هذه المقاومة الناشطة خصوصاً، كما هي موجهة إلى الحكومات المعنية التي تحاول شراء خلاص نُظمها السياسية المترهلة بتقديم مزيد من التنازلات لأمريكا وإسرائيل، وإذا كانت أمريكا وإسرائيل تدركان أن المقاومة الشعبية في العراق وفلسطين ليستا في صدد التراجع بل في سبيل التصعيد؛ فإن الحكومات المعنية لا تبدو مدركة مخاطر التواطؤ مع العدو، وتقديم مزيد من التنازلات له بحثاً عن سلامةٍ موهومة، ذلك أن تاريخ الثورات الشعبية مترع بأمثلة ساطعة على أن رد فعل الثوار الحقيقيين عندما يلمسون تهاوناً من حكوماتهم في مواجهة الأعداء الخارجيين هو الاستدارة لمعاقبة من صنّفوهم بحق الأعداء الداخليين فقاتلوهم، ونالوا منهم مثلما قاتلوا الأعداء الخارجيين؛ لغاية أن تغلبوا عليهم.
في غمرة تصاعد حدة الصراع يستوقفنا اتساع دائرة الاشتباك ليشمل أقطاراً وأمصاراً كانت بعيدة عنه في لحظة مبتدئه ومخطط منتهاه.
فإلى فلسطين والعراق تستعر حرب بأشكال متعددة ضد أمريكا في باكستان واندونيسيا والسودان والسعودية والفيلبين وتايلاند، فضلاً عن أفغانستان حيث بدأت جهاداً ضد الروس السوفييت الملحدين لتنتهي جهاداً ضد المستعمرين الأمريكيين المؤمنين.
هذه الحرب تسمّيها أمريكا حرباً على الإرهاب، وهي كذلك بحسب معايير سنّتها بنفسها، وتحاول فرضها علي الآخرين، غير أنها في مفهوم العرب والمسلمين حرب عادلة، وجهاد يمارسه بشكلٍ أو بآخر السواد - سواد الشعب بفئاته جميعاً - ضد المستعمرين الجدد المتدثرين بالإيديولوجيا، والمتسلحين بالتكنولوجيا لاغتصاب خيرات الجيولوجيا (النفط والغاز).
وهي حرب تأخذ منحي شاملاً، وتترك آثارها تحت كل كوكب، حتى يصح القول إنها حرب عالمية بامتياز.
من مظاهر شمولية الحرب دعوة أسامه بن لادن أنصاره مؤخراً إلى تركيز هجماتهم على المنشآت النفطية قائلاً: اجتهدوا وحولوا بينهم (الأمريكيين) وبينه (النفط)، وركزوا عملياتكم عليه وخاصة في العراق والخليج وذلك حتفهم.
المقاومة في العراق تضرب المنشآت النفطية منذ أشهر عديدة، فلا تكون والحال هذه في عديد أنصار بن لادن؛ وان كان الطرفان في سياق الجهاد ضد أمريكا وإسرائيل يلتقيان على وحدة الهدف، ويفتقران بطبيعة الحال إلى وحدة الصف.
في سعيها الدؤوب لاسترداد المبادرة، وإيجاد مخرج لها من ورطتها المخجلة والمكلفة في العراق؛ تحاول أمريكا الضغط على سورية وإيران لمساعدتها على مـــن تعتبرهم أنصاراً لكل من الدولتين: أهل السنة والبعثيين الذين تتهم دمشق بدعمهم بالمال والسلاح عبر قادة لهم لاجئين إليها، وأهل الشيعة الذين يتعاطفون مع طهران عبر أحزاب ومنظمات تناوئ الأمريكيين، وتناضل ضد الاحتلال.
بل إن أمريكا توسع بيكار الضغط على سورية فتطالبها بسحب قواتها من لبنان، وبتجريد حزب الله والمنظمات الفلسطينية من السلاح، وتحذو حذو فرنسـا فتوقف بث قناة المنار بدعوى أنها مؤسسة إرهابية، ثم تهدد دمشق بمزيد من العقوبات بموجــب قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان إذا لم تبادر إلى تنفيذ كل أحكام قرار مجلس الأمن رقم 1559.
إن سورية عازمة كما يبدو على سحب قواتها إلى وادي البقاع اللبناني حسبما ينص اتفاق الطائف، ولعلها في صدد رفع وصايتها الأمنية أيضاً عن حليفتها الدولة اللبنانية (التي تجمعها وإياها معاهدة أخوة وتنسيق ودفاع مشترك) من أجل تفويت فرصة التدخل على فرنسا وأمريكا اللتين تبتغيان في نهاية المطاف، إسقاط حكومتي البلدين إذا لم تلتزما حدود الدور المرسوم لهما إقليمياً في هذه المرحلة من مراحل الصراع، ومع ذلك لا يبدو أن إيران وسورية مذعورتان من وطأة الضغط عليهما - بالملف النووي ضد طهران، وبالملف اللبناني ضد دمشق - لأن اتساع دائرة الحرب الجهادية التي تعانيها أمريكا، والخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها، وارتفاع أرقام عجز الميزانية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة؛ كل ذلك يمنع إدارة بوش من استخدام القوة في صراعها مع البلدين المتمردين، أكثر من ذلك تشعر إدارة بوش بأن ضرب منشآت إيران النووية أو ضرب قواعد سورية العسكرية أو محاولة غزو لبنان من قبل إسرائيل لضــرب حزب الله والمقاومة الإسلامية ستدفع إيران إلى دعم المقاومة العراقية بالإيعاز إلى المنظمات الموالية لها في جنوب العراق، بل بالإيعاز أيضاً إلى قوات خاصة من الحرس الثوري الإيراني بدخول المعمعة العراقية، واستنزاف القوات الأمريكية إلى درجة لا تطاق.
كذلك سورية فإن في وسعها عبر المقاومة الإسلامية إلحاق الأذى بإسرائيل، وربما استنزافها على غرار ما حدث في أعقاب اجتياحها لبنان العام 1982.
باختصار الصراع مستمر وآخذ في الاتساع، وليس ما يشير إلى أن ثمة وازعاً من أخلاق، أو رادعاً من حكمة في البيت الأبيض يسمحان للعقلاء بأن يراهنوا في هذه المرحلة على سلام عادل ومشرف، أو حتى على مجرد تهدئة في دنيا العرب وعالم الإسلام.