أعلن غازي عجيل الياور قبل الانتخابات بيوم واحد أنه يخشى من قلة المشاركين في العملية الانتخابية، وإن من لم يشارك فيها لا يُعدّ مقاطعاً لأجرائها، وإن معظم من لم يشارك سيمنعه من ذلك الحالة الأمنية بلا شك.
وبعد أن تناقلت وسائل الإعلام هذا الرأي للرئيس العراقي وبدأت الاحتمالات تحوم حول أعداد المشاركين عاد الرئيس العراقي بعد أقل من ساعة إلى القول بأنه لا يخشى على الانتخابات وإجرائها متوقعاً أن عدد المشاركين فيها سيصل إلى ثلثي الشعب العراقي.
ثلثا الشعب العراقي الذين تكلم عنهم "الياور" هم ذاتهم الذين خرجت بهم الإحصائية الأولية للمفوضية العليا للانتخابات، وقبل أن تُغلق صناديق الاقتراع بما يزيد على ثلاث الساعات، وبعد انقضاء الساعات الثلاث كان من المفترض أن تزيد النسبة إلا أن المفوضية عادت عن قولها الأول من أن أعداد المنتخبين وصلت إلى هذا السقف لتعود اثني عشر درجة إلى الوراء أي ما يقرب 60 %.
وتوالت بعد ذلك تصريحات المفوضية العليا وربان الحكومة من أن الانتخابات شارك فيها جميع أطياف الشعب العراقي وفي كل المدن، وهذا مع إعلان النتائج لكن الصور التي التقطت للمراكز الانتخابية في الكثير من المدن غرب بغداد كابو غريب والرمادي وحصيبة وحديثة وسامراء إلى الشمال أثبت أن هذه المراكز لم يصل إليها أحد بل وحتى إن أعضاء المفوضية المستقلة غادروها لتظهر الصور ناخبين أو ثلاثة بالقرب من المركز الانتخابي الذي لا يوجد بداخله أحد.
وعلى سبيل المثال يقول د. مثنى حارث الضاري: إن النتائج التي خرجت بها الانتخابات وبالذات في المناطق الغربية كان ينقصها الكثير من الدقة، مضيفاً أنه مثلاً يسكن في منطقة أبو غريب، وهي لا تحتوي سوى على مركز انتخابي، ولم يُفتح أصلاً، وإن أقرب نقطة يمكن أن يوجد فيها مركز انتخابي كانت مدينة الشعلة، وهي تبعد عن أبو غريب ما يزيد عن العشرين كيلو متر، ولا يمكن الذهاب إليها إلا من خلال السيارات التي مُنعت هي الأخرى من التجوّل في الشوارع يوم الانتخابات.
هذه بعض الجوانب العملية التي قال عنها د. مثنى، وكذلك كان الحال في العديد من المدن، فلاجئو الفلوجة الذين قالت المفوضية إن منهم من شارك في الانتخابات رفعوا شعاراً موحداً في جميع مخيماتهم: "إنهم لن ينتخبوا والقوات الأمريكية داخل الفلوجة، وحتى في مدينة كركوك لم يأت اتهام المفوضية بالتزوير وإبعاد صناديق الاقتراع عن بعض المراكز الانتخابية، كما أكّدت العديد من المصادر التركمانية والعربية في المدينة؛ مما أدّى إلى مقاطعة فئة واسعة في كركوك للانتخابات، بل وحتى في مدينة الموصل بدأ المسيحيون وغيرهم بالتظاهر لأنهم حُرموا أو مُنعوا حق التصويت.
وما أن انتهت عملية التصويت حتى بدأت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالإتيان بأرقام تخص بعض المناطق، حتى كان أول ما أعلنته هي أنها تمكنت من فرز 10 % من أصوات الناخبين وبلغ عدد ألـ 10 % هذه مليون وستمائة ألف وإذا قمنا بعملية حسابية بسيطة فسيكون مجموع ألـ 100 % اكثر من ستة عشر مليوناً هم عدد الذين صوتوا، وبالتالي فإن النسبة بدت واضحة أنها مضاعفة تمامًا عن الرقم الذي ذُكِر من أن الرقم النهائي للذين شاركوا يقترب من الثمانية ملايين وهذا ما سأله أحد الصحفيين الأ جانب للمفوضية العليا بمؤتمرها المنعقد في المنطقة الخضراء يوم الجمعة الماضي، وما كان من المتحدثة باسم المفوضية إلا التأكيد على أن الرقم ليس نهائياً، وأن الثمانية ملايين قابلة للزيادة والنقصان في جواب قال عنه الصحفيون: إنه غير منطقي والمبالغة في الأرقام واضحة جلية.
لا تزال المفوضية تواصل إعطاء الأرقام عن طريق مؤتمراتها الصحفية، والتي جعلت حتى الآن من قائمة المرجع الشيعي السيستاني تحظى بالصدارة مع الإشارة المتكرّرة إلا أنّ هذه الأرقام ليست نهائية، ويرى بعض المراقبين أن العملية الانتخابية، ومنذ البداية لم تكن المطمح العراقي بل كانت المطمح الأمريكي، وأن اندفاع الرئيس الأمريكي بوش حول إجرائها كان نابعاً من أن المصلحة الأمريكية تقضي إجراء الانتخابات مما يفتح العديد من التفسيرات تحوم حول هذا الإصرار
وعلى هذا المنح قال د محسن عبد الحميد رئيس الحزب الإسلامي العراقي: إن هذه الانتخابات ناقصة الشرعية؛ لأن أهل السنة والجماعة لم يشارك معظمهم فيها وتساءل عبد الحميد عن عدد المصوتين؛ إذ قال: إذا كان ما قالته المفوضية حقاً من أن الذين صوّتوا عددهم ثمانية ملايين، فأين الستة ملايين الباقية؟ هؤلاء هم أهل السنة، لكن عبد الحميد قال: إن حزبه لن يكون خارج اللعبة السياسية، وسيشارك في كل ما من شأنه تحديد مستقبل العراق، ملتزماً بمقاومته السياسية أو السلمية ضد المحتل الأمريكي.
فمن جهة يبدو ووفق المحلل السياسي علي ناصر جمعة أن القوات الأمريكية تسعى لشرعنة احتلالها للعراق من قبل حكومة منتخبة تمهّد لعقد اتفاقيات طويلة الأمد، ويقول ناصر: إن هذه العقود التي ستبرم ستُؤكّد خيار الشعب العراقي أو من يُحسب على الشعب العراقي من أنه لن يخذل الجيش الأمريكي، بل إنه سيبقى على قرب منه، وليس أدل على ذلك من مجموعة التصريحات التي صرّح بها الساسة العراقيون قبل أن يحزموا حقائبهم الانتخابية، وعلى رأسها تصريحات علاوي وبرزاني وطالباني والجعفري بل وحتى غازي الياور الذي سخر من هذا القول وإن كان تكلم عن إمكانية وجود سقف زمني لخروج القوات.
ومع أن الكعكة بدت وكأنها وُزّعت، واتخذ الناس ما راهنوا عليه، يبقى الخيار الأصعب أو حالة الرضا عمّا تقدمه له الحكومة الجديدة مناسباً، وهل ستكون الحكومة صاحبة مشروع حقيقي يدرّ على الشعب الخير ويعيد له كهرباءه الضائعة ونفطه المنهوب، وخدماته المنسيّة؟ أنّ هذه الأمور وعلى رأسها الأمن ستكون الكفيلة بإنجاح المهمة المعقدة التي أوكل بها، وهو ذات السبب الذي أخذ على الحكومة المؤقتة بإدارة علاوي؛ إذ إنّ الأوضاع الأمنيّة والمعيشيّة ازدادت سوءاً ولعل حجر العثرة الأخير: هل ستُطالب القوات الأمريكية بسقف زمني للخروج من قبل هذه الحكومة؟