الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين ، وأسبغ علينا نعمه ، وامتن علينا بأن جعل اللغة العربية لغتنا ، فله الحمد والشكر ، وبعد :
فالشدّة : هي العلامة المرسومة على حرف الدّال ، وتعتبر الشدّة حرفين متماثلين أولهما ساكن وثانيهما متحرّك ، فمثلاً في كلمة الشدة هناك شدتان وتبيّن هكذا : ( أشْشَدْدَه ) . وتفتقر الشدّة إلى إحدى الحركات الثلاثة ( ضمة أو كسرة أو فتحة ) فهي لا تستغني عن الحركة أبداً ، عكس السكون تماماً . وقد تجتمع الشدة مع التنوين .
وعدم التشديد يقتضي حذف أحد الحرفين و غالباً ما يكون الساكن ، على أن ترك الشدة قد يحيل المعنى ، كما في قوله تعالى ( إيّاك نعبد ) فالإياك بدون الشدّة : قرص الشمس . وبغض النظر عن تغيير المعنى ( وهو تحريف ) ، فحذف حرفٍ أو إضافته ، تغيير في الكلمة وتحريفٌ لها أيضاً ، والتحريف محرّم في كتاب الله فلا ينبغي التساهل في ذلك ، ولا يجوز التعلق بقوله ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) وأمثال ذلك ، في عدم الاتيان بالشدّة على وجهها الصحيح . خاصّة لصاحب اللسان العربي !
وقد وُضِعت الشدة ، لتجاوز الصعوبة الناتجة من التقاء الحرفين المتماثلين بسكون فحركة . وبالإمكان استشعار ذلك ، بإظهار الحرفين المتماثلين نطقاً ، ولك أن تتصور كيف سنقرأ كلمة الشدة بهذه الصعوبة ومن دون تشديد هكذا : ( أشْ شَدْ دَه ) .
ربما يتعجب بعضنا من الكلام عن الشدة ويظن أن ذلك من باب الفضول والزيادة ! ولا يلق له اهتماماً . ولكن سيزول عجبه بتصفح بعض كتب الفقه وإليك مثالاً بما ذكره صاحب الروض المربع في حاشيته . قال في الزاد ، في صفة الصلاة : ( ثم يقرأ الفاتحة ، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال ، أو ترك تشديدة أو حرفاً أو ترتيباً ، لزم غير مأموم إعادتها ) قال الشارح : ( ثم يقرأ الفاتحة ) تامّة بتشديداتها ... وفيها إحدى عشر تشديدة . قال في الحاشية ( بغير خلاف ، وهي في الله ، ورب ، والرحمن ، والرحيم ، والدين , وإياك , وإياك ، والصراط ، والذين ، وفي الضالين ، اثنتان ) .
----
إذا فالشدة وُجدت لتسهيل النطق عند التقاء الحرفين المتماثلين الملتقيين التقاءً صغيراً ( ساكنٌ فمتحرّك ) . ولا نحتاج عند النطق بالشدة زيادة الحركة ( أقصد الوقت ) والحركة هنا أعني بها : مقدار قبض إصبع أو بسطه كما عرّفه علماء التجويد . وبذلك نعرف خطأ بعض المؤذنين والأئمّة عند الوقوف في لفظ الجلالة - الله أكبر - أو - لا إله إلا الله - وقتا طويلاً ظناً منه بأنّه يحقق الشدة !!
ويستثنى من ذلك حرفان من أحرف الهجاء وهما : الميم والنون ! فيجب غنتهما بمقدار حركتين وذلك لاختصاصهما بالغنّة دون بقية أحرف الهجاء . ونستخلص بذلك قاعدة وهي :
القاعدة : تغن الميم والنون المشددتين بمقدار حركتين دون بقية أحرف الهجاء .. مثاله : ( من الجنّة والنّاس ) و ( عمّ يتساءلون ) ويستوى ذلك إن كان حرفا الغنّة ( الميم و النون ) في وسط الكلمة أو متطرفتين .
وإليك مثالاً للمتطرف : ( عمّ ) فإن وقفت على الميم تقف بحركتين من غير مد ، هكذا : عمْمْ . ومثال آخر : ( لم يطمثهنَّ قبلهم إنس ولا جانُّ ) فإن وقفت على يطمثهن أو على جانّ فينبغي الوقوف بحركتين ، هكذا : يطمثهنْنْ ، جَاااااانْنْ . وإن لم تعطِ الحركتين حقها فقد حذفت حرفاً أصلياً من الكلمة . وهذا من التحريف . لاحظ الفرق بين آخر الكلمتين.
فالكلمة الأولى : يطمثهنّ ، هكذا : يطمثهنْنَ فعند الوقف تغير حركة الفتح على النون الثانية فتكون : يطمثهنْنْ . والكلمة الثانية : جانٌّ على النون شدة وتنوين ضمتين هكذا : جانْنُنْ . النون الأولى ساكنة ثم نون مضمومة ثم نون ساكنة وهذه النون الأخيرة هي نون التنوين وهي نون ساكنة زائدة ليست من أصل الكلمة لذا فإنها تحذف عند الوقف فتكون هكذا : جاااااانْنْ . ولا يأتي المتشدد في أول الكلمة وذلك لأن الحرف الأول ساكن والعرب لا تبدأ بساكن !
---
فإن كانت الشدة في غير النون والميم فلا نحتاج إلى زيادة الحركتين ( الوقت ) ولكنها تنطق بالتشديد ، مما يظهر للسامع أنهما حرفان كالرّحمن و ربّكم وربَّنا آتنا ونحوها من الكلمات . وهذا مما ينبغي ألا يصعب نطقه على العربي ، ويصعب أحياناً على الأعجمي . وواضح أنها تزيد على الحركة على الحرف المتحرك قليلاً ولتعرف الفرق ، فتأمل قراءتك لقوله تعالى من سورة الحجر : ( رُبَما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) كيف إن قُرِأت بالشدة على حرف الباء في الكلمة الأولى ربَّما !؟ هل تجد الفرق ؟! إن وجدت الفرق فقد ميّزت بين الشدّة والحركة العادية .
بقي هناك أن أوضح أن هناك كيفيتان لقراءة الشدة في وسط الكلمة لغير النون والميم ولنأخذ حرف الباء مثلاً . ربُّكم أعلم بكم . ربَّنا آتنا . ربِّي الله ! طريقة أصح من أختها ويصعب الشرح إذ إنها إنما تؤخذ بالتلقي من قاريء متمكن ، عالم بالفرق ، آخذها عن شيخه .
وتكون بدفع حرف الباء المتحركة - أي الثانية - فلا تُدفعُ الباء الأولى ، ويقصد بالدفع زيادة نبر الصوت قليلاً ، وهي كيفية يُلجؤُ إليها لتوضيح المعنى . لأن دفع ما لا ينبغي دفعه كعدم دفع ما ينبغي دفعه . ولا بأس بأن أضرب مثالاً للتوضيح . تأمل قوله : ألم نشرح ، ألم تر كيف فعل . الكلمة ( ألم ) لوحدها ، إن دفعت الحرف الأول ( الهمزة ) وضح لك معنى الاحساس الذي ينتاب المتألّم ! وهو غير مطلوب . والصحيح دفع حرف اللام هكذا : أ - لم . ليعطيك المعني الصحيح وهو الاستفهام ! إن استطعت التفريق .. فقد بلغت فأمسك !
وبذلك نستخلص قاعدة أخرى وهي : عند الحرف المشدد المتوسِِّط - وسط الكلمة - يُدفع الحرف المتحرّك ولا يدفع الساكن كي يعطي الطريقة الصحيحة ، وعدم دفعه قد يغير المعنى .
وإليك المثال : ( أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ) - سبحانه - .. كلمة ( أمّن ) - أمْمَن - لوحدها . إن دفعت حرف الميم الأولى كان المعنى : الفعل الماضي للتأمين سواءً المعروف أو قول آمين !! وهو غير مطلوب . والصحيح دفع الميم الثانية المتحركة لتعطي معنى الاستفهام التقريري . وكذلك في : ربُّكم أعلم بكم ، ربَّنا آتنا ، ربِّي الله . مع الملاحظة هنا أن معنى الكلمة لا يتغير ولكن التقيد بالكيفية الصحيحة يسهل عليك تطبيق القاعدة !!
ويبقى الحرف المتشدد المتطرف - كفانا الله شر المتطرفين والمتشددين - وله قاعدة أخرى إن يسر الله ذلك !!