|
أزمة الشيشان والنفاق الأوروبي
أزمة الشيشان والنفاق الأوروبي
اليوم, 11:57 AM #1
matadorss
عضو
معلومات العضو
تاريخ التّسجيل: Dec 2004
المشاركات: 53
أزمة الشيشان والنفاق الأوروبي
إدريس الكنبوري 14/2/1426
24/03/2005
كان أهم عنوان يستحق أن يُطلق على القمة الرباعية التي جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والفرنسي جاك شيراك، ورئيس الوزراء الإسباني رودريغيث زباثيرو، والمستشار الألماني جرهارد شرودر في العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة الماضي 18 مارس هو"القمة الناقصة"، فبالرغم من أن هذه الأخيرة عُقدت بعد أسابيع فحسب على اغتيال الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف، وفي وقت لا تزال معالم الجريمة لم تنمح بعد، وترفض موسكو تسليم جثة مسخادوف لعائلته، وأيضاً في وقت لا يزال الملف الشيشاني ساخناً، ويشهد على ديكتاتورية النظام الروسي البوليسي، فإن الزعماء الأوروبيين الثلاثة لم يأتوا على أية إشارة إلى قضية الشعب الشيشاني، بل إنهم قدّموا ما يمكن أن يكون نوعاً من الدعم الديبلوماسي والسياسي لبوتين في حربه ضد هذا الشعب المسلم المطالب بالاستقلال، لتبقى هذه القضية الغائب الأكبر في القمة، وهذا ما دفع جريدة فرنسية واسعة الانتشار هي"لوموند" إلى عنونة إحدى مقالاتها يوم انعقاد القمة بـ"الشيشان تنتظر على باب الإليزي"، إشارة إلى مقر إقامة الرئيس الفرنسي الذي عُقدت به القمة.
الرئيس الروسي لم يكن غائباً عنه مقدار الدعم الأوروبي الذي سوف يلقاه في باريس، فزيارته لفرنسا بعد ثلاثة أسابيع فقط على اغتيال مسخادوف تعكس رغبته في الحصول على تأييد أوروبي واضح للسياسة الاستئصالية التي ينهجها تجاه الشعب الشيشاني منذ شنِّ موسكو للحرب الثانية عليه في سبتمبر عام 1999، وجاءت تلك الزيارة بتزامن مع انعقاد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي كان يُفترض بها أن تدين جريمة الاغتيال وتصدر بياناً واضحاً بشأن حرب التطهير التي تقودها موسكو بزعامة رئيس المخابرات الروسية السابق، وقد استبقت موسكو مثل هذه الخطوة بالدعوة إلى عدم التنديد بما تقوم به في الإقليم القوقازي المسلم، وكان ذلك بمثابة تحذير موجّه إلى أوروبا بالأساس، التي شرعت في مفاوضات معها من أجل الدخول إلى نادي الاتحاد الأوروبي وتراهن على النفط الروسي كبديل للعقود القادمة.
ويبدو أن الموقف الأوروبي يناسب مزاج موسكو ويطلق يدها في الشيشان. غير أنه من المناسب التأكيد على النفاق الأوروبي، وازدواجية المواقف فيما يخص القضية الشيشانيّة، فبعد اغتيال مسخادوف في الثامن من شهر مارس الحالي أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً قويّ اللهجة اعتبر فيه عملية الاغتيال "خطأً فادحاً"، وقال: إن اغتيال مسخادوف الذي كان أحد أبرز المعتدلين سيصبّ في مصلحة التيار المتشدد بين المقاتلين الشيشان الرافضين لأي مفاوضات مع موسكو، وطالب بإنزال العقاب بروسيا من جراء تلك الجريمة البشعة، لكن كان ذلك بمثابة "تبرئة ذمة" قبالة الرأي العام الدولي، فيما تسير المواقف العملية في الاتجاه المعاكس تماماً. ففي القمة الرباعية في باريس هذا الأسبوع اعتبر الزعماء الأوروبيون الثلاثة أن المسألة الشيشانيّة "شأن داخلي" لروسيا، بل أكثر من ذلك فقد حذروا من أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول، في إشارة مفهومة إلى اعتراض الأطراف الثلاثة على أي ضغط يمكن أن يُمارس على موسكو بسبب تعقيدات الملف الشيشاني، وخاصة من الجانب الأمريكي الحريص على توريط روسيا كدولة تخرق حقوق الإنسان، من دون أن يبتعد الموقف الأمريكي عن هذا السقف، بالرغم من دعوة واشنطن في السابق إلى حل سياسي لأزمة الشيشان، لكن من غير ممارسة أي ضغط مباشر لتفعيل هذا الحلّ.
ولا يقلّ الموقف الفرنسي غموضاً وازدواجية عن مواقف الأطراف الأوروبية الأخرى، فيما يرى المعلقون أنها تقوم بالدفاع عن الأطروحة الروسية بخصوص أزمة الشيشان لدى البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فالرئيس الفرنسي رفض يوم 17 مارس إدانة اغتيال مسخادوف بعد أن تقدمت إحدى النائبات في البرلمان الفرنسي عن حزب البيئة بطلب بذلك، وانتقدت الصمت الفرنسي اتجاه الجريمة التي وصفتها بأنها "غير قابلة للتسامح معها"، وقدم شيراك الرئيس الروسي كشريك في بناء السلام والأمن في أوروبا، وحليف في مواجهة ما دعاه بـ"الإرهاب".
لقد كشف الصمت الأوروبي المستمر عما يحدث في الشيشان، بعكس ما حدث في أوكرانيا قبل أشهر قليلة مثلاً، عن أن لعبة المصالح أكبر وأهم من مسألة المبادئ التي يتنادى بها الاتحاد الأوروبي كلما تعلق الأمر بالقضايا التي يتناسب الضغط فيها مع مصالحها. وتشاء المصادفات أن يتم اغتيال مسخادوف في الوقت الذي كان فيه هذا الأخير قد وضع أوروبا أمام الاختبار، وبعد أقل من أسبوعين من توجيه رسالة إلى الممثل السامي للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، مطالباً أوروبا بتحمل مسؤوليتها في دعم الشعب الشيشاني في قضيته العادلة أسوة بما تقوم به اتجاه الشعوب الأوروبية الأخرى. وقد نشرت هذه الرسالة يومية "ليبراسيون" الفرنسية يوم 18 مارس الجاري بتزامن مع زيارة بوتين، وهي تحمل تاريخ 25 فبراير الماضي، حيث أشار فيها مسخادوف إلى بداية الحرب في عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين عام 1994، والنتائج الكارثية التي خلفتها العمليات العسكرية الروسية في الإقليم، إذ وصل عدد القتلى في صفوف المدنيين الشيشان إلى 200 ألف، وعدد المشردين واللاجئين إلى 300 ألف، وعشرات الآلاف من المعطوبين والمعتقلين الذي يتعرضون للتعذيب في السجون الروسية، وذكر فيها مسخادوف بدعوته إلى التفاوض والحل السّلمي للصراع منذ العام 1999، واقتراحه الذي وجهه إلى وزير الخارجية الروسي في مارس 2003 بشأن التحاور مع السلطات الروسية، كما حدث في النزاعين الذين نشبا في إقليم تيمور الشرقية و***وفا، محدداً لذلك ثلاثة شروط هي: أن تجري المفاوضات تحت إشراف دولي يرعى الاتفاق المتوصل إليه، وأن تكون هناك مراقبة دولية خلال الفترة الانتقالية، وأخيراً أن يحصل إقليم الشيشان على الاستقلال وفقاً للمعايير الدولية المتعارف عليها.
والظاهر أن قضية شعب الشيشان ستبقى رهينة الحسابات السياسية للقوى الدولية والمصالح المتبادلة، فأوروبا لا تريد إقلاق الحليف الروسي الذي تريد أن تجره معها في الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية في لعبة المعادلات الإستراتيجيّة الدوليّة، وهي تتترّس خلف زعم أن ما يجري في الشيشان مسألة روسية داخلية، أما واشنطن فيهمّها بالأساس أن يستمر الصراع في الشيشان؛ لأنه يخدم أغراضها في تأزيم الوضع الداخلي لروسيا وثنيها عن البحث عن لعب دور دولي أو إقليمي متوازن يعكس مصلحتها.
وبين الموقفين الأوروبي والأمريكي والصمت العربي الإسلامي، تظل المقاومة في الشيشان هي الخيار الأوحد حتى في إطار عدم التوازن في القوة.
|