|
هل بدأت مرحلة تفكيك الدول العربيّة وعودة الانتداب؟
هل بدأت مرحلة تفكيك الدول العربيّة وعودة الانتداب؟
ياسر سعد/ كندا 27/2/1426
06/04/2005
بعد العراق يلوح ذات السيناريو في الاتجاه السوداني والسوري. قرارات ملزمة لمجلس الأمن، وتدخل سافر في الشؤون الداخلية، وانتهاك صارخ لسيادة الدولة، ومن بعد إثارة النعرات المذهبية والطائفية تمهيداً – على ما يبدو- لتفجير النزاعات الداخلية والحروب الأهلية. ومع غياب سيادة الدولة وانهيار النظام العام يتنادى أعوان أمريكا وجهلاء السياسة من قصيري النظر، وعديمي البصيرة مطالبين ببقاء القوات الأمريكية مخافة الأسوأ، ولمنع الفوضى العارمة من أن تصل إلى مرحلة الطوفان، كما نسمع من سياسيي العراق بشقيهم العلماني والإسلامي من السائرين في ركاب الاحتلال والمتعاونين معه.
لم يكن بشار الأسد موفقاً، ولا مصيباً وهو يستنجد بالصحفي الأمريكي في مجلة التايم لينقل رسالة مفادها أنه ليس صدام حسين، وأنه يريد التعاون. فالرئيس العراقي لم يكن متعاوناً فحسب بل كان متهاوناً لأقصى درجة؛ فقد فتح أبواب قصوره للمفتشين الدوليين وزوّدهم بأسماء علماء العراق، ودمّر صواريخ الصمود، ولما أمر كوفي عنان المفتشين بالانسحاب تمهيدا لضرب العراق ترك صدام المفتشين يخرجون بسلام دون أن تعترضهم السلطات العراقية للتحقق من طبيعة عملهم ، رغم علم الجميع أن فيهم جواسيس لصالح الولايات المتحدة.
لو كانت أمريكا تعلم أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل فتاكة لم تكن لتجرؤ على مهاجمته. لذلك فالتنازلات المهينة للولايات المتحدة الأمريكية تغريها بطلب المزيد ،.و السودان ذهب بعيداً في التحرك باتجاهها؛ إذ سلك طريق التفاوض حتى النهاية مع "جون قرنق" للتوقيع على ما قد يكون التمهيد لانفصال الجنوب، وتفكيك الدولة وتقاسم الثروة مع المتمردين، والإعلان عن دعم الولايات المتحدة في حربها ضد "الإرهاب". أكثر من ذلك أعطى السودان شركة توتال الفرنسية حق التنقيب عن نفطه ليكسب الفرنسيين والأوربيين بعد إرضائه للأمريكيين.
وتحمل السودان عبارات "التأنيب “والتوجيه من ضيوفه الغربيين وهم يحطون رحالهم في الخرطوم؛ ليعلموه أصول ومبادئ حقوق الإنسان في دار فور وغيرها. كل ذلك لم يشفع للسودان فتم استصدار قرار من مجلس الأمن لمحاكمة المسؤولين السودانيين المتورطين في تجاوزات دار فور أمام محكمة العدل الدولية. القرار في النهاية يمهد لفتح جميع ملفات النظام السوداني، والذي يعني عملياً وضع السودان تحت الوصاية الدولية. ومن المفارقات أن مجلس الأمن يعطي قوات الاحتلال في العراق والجنود الأمريكيين هناك وفي قوات حفظ السلام الدولية الحصانة القضائية فيما يطالب بمحاكمة المسؤولين السودانيين دولياً رغم جهود السودان الحثيثة وتنازلاته الكبيرة في سبيل تهدئة وتخفيف الضغوط الدولية عليه.
النظام السوري من جانبه لم يتخط في تاريخه الطويل من الناحية العملية الخطوط الحمراء الأمريكية. كانت الجبهة السورية-الإسرائيلية الأكثر هدوءاً وانضباطاً طيلة العقود الثلاثة الماضية, أكثر من ذلك كان له من المواقف المناقضة وبشكل صارخ لشعاراته وعقيدته المعلنة حين يجد الجد وتتفارق الصفوف. ألم يقف النظام السوري في جانب الولايات المتحدة الأمريكية في "عاصفة الصحراء" مرسلاً قوات الجيش السوري لتحارب تحت الإمرة والقيادة الأمريكية؟ وفي حرب أمريكا ضد "الإرهاب" كانت سورية النظام الأكثر اندفاعاً وحماسة فاتحة معلوماتها الاستخباراتية على مصراعيها للأجهزة الأمريكية المعنية، ومسخرة إمكانياتها الكبيرة وتجربتها العتيدة في التعذيب والتحقيق مع الموقوفين لصالح أجهزة الاستخبارات الأمريكية. بل إن بشار الأسد وفي لقائه مع مشرعين أمريكيين بعيد أحداث سبتمبر تباهى وتفاخر بأن نظامه كان له السبق في محاربة التطرف والإرهاب الإسلامي وهو يقصد بطبيعة الحال مجازر مدينة حماة وتدمر وغيرهما عارضاً تجاربه بهذا المضمار
السؤال الذي لا ينفك يطرح نفسه, ماذا تريد الإدارة الأمريكية وهي تلوح بالإصلاحات الديمقراطية تارة وتكشر عن أنيابها العسكرية تارة أخرى؟ وهل تتوقع أمريكا أن تجد أنظمة أكثر انصياعاً وطاعة من الأنظمة العربية الحالية خصوصاً، وأن المعارضة الأقوى لتلك الأنظمة تأتي من التيارات الإسلامية ذات الشعبية الكبيرة، والتي تشترك أمريكا مع الأنظمة العربية في العداء لها ؟
في تقديري الشخصي أن أمريكا تريد تفكيك الدول العربية الواحدة تلو الأخرى تحت مسمّى إعادة رسم خريطة المنطقة، ومحاربة الإرهاب، وتسويق الإصلاحات الديمقراطية, وقد يكون هذا التفكيك تمهيداً لعودة الاستعمار المباشر بعد تفكيك معاني سيادة الدولة شيئاً فشيئاً، وذلك باستخدام الأمم المتحدة ومجلس الأمن إن أمكن، واستصدار قرارات أممية تنتهك ما تعارف عليه المجتمع الدولي سابقاً فيما يتعلق بسيادة الدول واستقلالها. بعد سورية والسودان -على الأرجح- سيأتي الدور على غيرهما من الدول العربية, الغريب أن تلك الدول لا تكتفي بالموقف السلبي وهي ترى الولايات المتحدة وحلفاءها ينهشون في النظام العربي، ويقوضونه بل إنها تدعم الموقف الأمريكي، وتسانده خوفاً وطمعاً. وهي غافلة أنها إنما تساعد أمريكا على سرعة محاصرتها والفتك بأنظمتها. لم تتعظ الأنظمة العربية من الوضع العراقي، والذي أظهر أن التنازلات تجر إلى تنازلات أكبر منها، وأن الأنظمة وجيوشها واستخباراتها عاجزة عن مواجهة الأخطار الخارجية، وأن المقاومة الشعبية هي الأسلوب الأجدى في مواجهة الزحف الأمريكي. بل إن إعلام الأنظمة العربية يحارب المقاومة العراقية بالحصار والتشويه والتشويش. ومع كل التنازلات المهينة للخارج والمتصاعدة تسارعاً ووتيرة فإن تلك الأنظمة تتحرك ببطء شديد يصل إلى الجمود حين يتعلق الأمر بالإصلاحات الداخلية، واحترام المواطن وحقوقه في التعبير والتغيير.
لقد أعادت الأنظمة العربية المغرقة في الفساد والمنهكة في حمأة الترف مأساة دول الطوائف في الأندلس، وإن كان على نطاق أوسع جغرافياً وبشرياً. في حين أن الحركات الإسلامية الكبيرة تعاني من الجمود القاتل والركود المميت، وقد تجمّدت بوصلتها السياسية في السعي لنيل الشرعية من أنظمة تفتقد إلى الشرعية وتلفظ أنفاسها الأخيرة!
|