|
الصهيونية: الأطماع واقتراحات المواجهة((1))
_((((الجزء الاول ))))_
1 – التعريف:
"صِهـْيون": كلمة كنعانية بمعنى الجبل المشمس أو الجاف، ومن معانيه: الحُصُن.
"صِهيون" ربوة تطل على مدينة القدس، اتخذها اليبّوسيون وهم من أصل كنعاني موقعاً وحصناً يسكنه الحاكم، وكان ممن أقام فيها الشيخ سالم اليبوسي حوالي العام 2500 قبل الميلاد.
فتدوين العهد القديم بأقسامه الثلاثة: التوراة، وأسفار الأنبياء, والكتابات، استمر حوالي ثمانية قرون، فقد بدأ التدوين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وظهرت أول نسخة من العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد. وقد شحن كُتّاب العهد القديم نصوصه بمزاعم الشعب المختار التي قادتهم إلى الإستعلاء والعنصرية، وبكتابة محطات التاريخ وفق أهوائهم وأطماعهم وقد سكبوا فيها مزاعمهم المختلفة بحقوقٍ تاريخية في فلسطين والقدس، وهي أرض كنعان ولا علاقة لهم بها.
وقد انطلقت الأطماع الصهيونية بفلسطين من نصوصٍ في العهد القديم منها الزعم القائل: "وأعطيك أرض غربتك لك ولنسلك من بعدك جميع أرض كنعان ملكاً مؤبداً ويكون لهم إله". وفي نص آخر: "في ذلك اليوم بَتَّ الرّب مع ابراهيم عهداً قائلاً: لنَسلِك نعطي هذه الأرض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات".
إذاً الصهيونية حركة تعمل بدوافع متعددة منها الدافع الديني لاغتصاب فلسطين وغيرها من الأراضي العربية وبالتالي فإن الصهيونية حركة تعمل من أجل الغزو الإستيطاني والتوسع.
2 – نشأة الصهيونية:
بدأ مسار الحركة الصهيونية منذ أكثر من أربعة قرون في أوروبا مع البروتستانتية التي فرضت تفسيراً لبعض نصوص العهد القديم، وكان هذا التفسير يقوم على التزام بعض النبوءات المزعومة في العهد القديم والتي تؤسس لإغتصاب فلسطين، وذلك تحت ستار أنها أرض الميعاد.
فالكاثوليكية كانت قد التزمت مفهوماً بلوره القديس أوغسطين وهذا المفهوم لم يقرّ أي حق ليهود في أرض أو مدينة أو هيكل، أما البروتستانتية التي التزمت بالعهد القديم فقد نشأت الصهيونية في وقت مبكر في أحضانها. ويؤكد ذلك أن الحديث عن حق يهودي في فلسطين قد نشأ أو انطلق في بريطانيا التي تحوّل ملكها هنري الثامن في أواخر القرن السادس عشر الى البروتستانتية، وقد ردد قادة بريطانيا مقولة: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وقد تصاعد الحديث في بريطانيا وبين البروتستانت عموماً عن العودة الثانية للمسيح وأن ذلك لا يكون الا بعد استيلاء يهود على فلسطين وتجميعهم فيها وفق الوعد المزعوم، ويهود بزعم هؤلاء سيعترفون بالمسيح مع المجيء الثاني.
وبين بروتستانت بريطانيا برزت مجموعة تعتمد الغُلوّ والتطرّف الديني وقد استخدمت لها كلمة أصولية لأول مرة في القامــوس الأوروبي (fondamentalisme)، وقد أطْلِق عليها إسم (puritan)، أي التطهريون وقد شكل هؤلاء الطلائع الأولى التي هاجرت الى أرض الولايات المتحدة الأميركية يوم هاجر الأوروبيون الى القارة الأميركية بعد اكتشافها، وكان البيوريتان من غلاة البروتستانت واعتبروا غزوهم لأرض "نيو إنجلند" رسالة خصهم بها الله وقد برز البعد الديني المشبع بروح الإستعلاء والغطرسة والإجرام، وهذا البعد مستمد من الثقافة التي أخذوها من العهد القديم، وكان من نتائج غزوهم إبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين واسترقاق ملايين الأفارقة وبعدها التصرف على أنهم أمة مختارة ولها دور قيادي عالمي.
أما في البعد الثقافي فإن الثقافة العبرية كانت الأساس في الأرض الجديدة حيث اعتمدوا الأسماء العبرية لأبنائهم وكذلك لقراهم وكان أول كتاب طُبع في الولايات المتحدة بعنوان: (psalm pay) وهو ترجمة لسفر المزامير من العهد القديم اليهودي، والأمر نفسه برز في تأسيس الجامعات، فأول جامعة أنشئت كانت جامعة هارفرد في عام 1636، وكان الطالب لا يُقبل فيها إلا إذا أتقن العبرية، وفي العام 1642 نوقشت فيها أول أطروحة وعنوانها: العبرية هي اللسان الأم.
أما في بريطانيا فقد وضع هنري فانش مستشار ملك بريطانيا عام 1621 مشروعاً على شكل بحثٍ عنوانه: الإستعادة العظمى العالمية، والمقصود بها إستعادة يهود لفلسطين وفق الحق المزعوم.
وقد بدأت هذه الإتجاهات بالنماء في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفي كل موقع ينتشر فيه البروتستانت وفي هذه النشأة كان التطلع الى الإستعمار والغزو من قبل أوروبا لفلسطين وللأرض العربية مترافقاً مع هذه المفاهيم الدينية وبذلك تكون الصهيونية غير اليهودية قد نشأت قبل الصهيونية اليهودية بقرون، فالمعلوم أن الإنطلاقة الفعلية للحركة الصهيونية اليهودية كانت مع تيودور هرتزل في المؤتمر الذي انعقد بدعوة منه في مدينة بال السويسرية خلال شهر آب/ أغسطس من العام 1897.
وبمقابل ذلك نجد أن النشاط البريطاني قد بدأ فعلياً سنة 1839 عندما عيّن وزير خارجية بريطانيا بالمرستون نائباً لقنصل القدس هو وليم يونج الذي كان أشد المتحمسين للمشروع الصهيوني.
وفي عام 1845 اقترح إدوار بتروفورد، من مكتب المستعمرات في لندن إقامة دولة يهودية في فلسطين تحت الحماية البريطانية وأن هذه الدولة ستكون خادمة لمصالح بريطانيا الإستعمارية، وعند هذا الحل التقت المزاعم التوراتية مع الأطماع الإستعمارية وبدأت الأمور تأخذ طريقها الى حيّز التنفيذ، وقد تأسس بفعل ذلك "صندوق استكشاف فلسطين" عام 1865 وكان برئاسة رئيس أساقفة كانتربري ورعاية الملكة فكتوريا.
وقد توصل هذا المسار السياسي البريطاني المتهوّد الى نقطة حاسمة في المشروع الصهيوني في 2/11/1917 مع وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا يومذاك لقادة الصهيونية اليهودية بالعمل من أجل اغتصابهم لفلسطين، وبذلك تكون بريطانيا التي تسيطر عليها الصهيونية غير اليهودية قد تبنّت المشروع الصهيوني في الإحتلال، والتوسع.
أما مسار الصهيونية غير اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية فقد كان في الإتجاه نفسه لا بل قام الأمريكيون بخطوات عملية في إطار الغزو الإستيطاني، ففي سنة 1866 قاد القس آدم أكثر من 150 رجل دين بروتستانتي من ولاية ماين ( maine) للإستيطان في فلسطين، وبعدها بسنة قام سبعون أمريكياً بإقامة مستوطنة أخرى، ولم يكن الرؤساء الأمريكان إلاّ ضمن هذه الخطة، فقد كتب الرئيس الأمريكي جون آدامز رسالة إلى صحفي يهودي مانويل نوح في العام 1818 ومما قاله فيها: "أتمنى أن أرى ثانية أمة يهودية مستقلة في يهودا".
ومن النماذج عن الصهيونية غير اليهودية في أمريكا القس وليام بلاكستون (1841 – 1935) الذي ألف كتاباً عنوانه: "عيسى قادم" في العام 1878 وهو يدور حول النبوءة التوراتية المزعومة، وقد أسس بلاكستون عام 1887 منظمة سماها: "البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل" وإسمها حالياً: "الزمالة اليسوعية الأمريكية" وهي من أبرز جماعات الضغط (Lobby) لمصلحة الصهيونية.
وتوالت بعد ذلك النشاطات والتجمعات الأميركية العاملة من أجل تحقيق الأطماع الصهيونية.
نجد على الطرف الآخر اعتراضاً كاثوليكياً في الفاتيكان علىالمزاعم الصهيونية، حيث أعلن البابا بيوس العاشر في 26/1/1904، بعد لقائه بالصهيونية اليهودي هرتزل، معارضته للحركة الصهيونية وللهجرة اليهودية الى فلسطين.
وقد تطور النشاط الصهيوني غير اليهودي في الربع الأخير من القرن العشرين من خلال ظواهر متعددة سيكون الحديث عنها لاحقاً في هذا البحث.
وما دام الحديث عن نشأة الصهيونية فلا بد أن نعرّج على الصهيونية اليهودية التي بدأت مع هرتزل في العام 1897 والتي انطلقت كحركة سياسية بناءً لرغبة يهودية ولإرادة أوروبية تريد زرع جسم غريب في قلب الأمة العربية ليمنعوا وحدتها وليحققوا المصالح الأوروبية عموماً والبريطانية خصوصاً، لأن أوروبا أرادت أن تصنع أداة لخدمة مصالحها من جهة، وأرادت كذلك أن تتخلص من الأحياء اليهودية المغلقة "غيتوات" وهذا الأمر يفسر السبب في نشأة الحركة الصهيونية اليهودية في أوروبا الغربية.
لقد عملت المنظمة الصهيونية اليهودية على استقدام يهود إلى فلسطين لممارسة الغزو الاستيطاني الإحلالي مع الإشارة إلى أن عدد يهود في فلسطين كان في العام 1837 بحدود 8000 نسمة، وحتى العام 1903 كان عدد يهود من الوافدين مع أهل البلد 25000 نسمة.
إن هذه الأرقام مضافاً إليها الحقيقة القائلة وفق المصادر اليهودية بأن 92 في المئة من يهود العالم من أصل خزري، نسبة الى بحر الخزر (قزوين)، تفضح المزاعم الصهيونية بالحق التاريخي في فلسطين.
3 – هرمجدّون والأطماع الصهيونية:
إن الصهيونية بنوعيها اليهودي وغير اليهودي (الأميركي - الكنيسة التدبيرية تحديداً) تقوم على أساس واحد لجهة الإغتصاب وثقافة العصابة. فالولايات المتحدة الأمريكية أرض سكنها أهلها من الهنود الحمر حتى القرن السادس عشر الميلادي، وفد إليها تجار وعصابات يتقدمهم البيوريتان الإنكليز، وقامت هذه العصابات بإبادة أهل البلاد والإستقرار مكانهم، كان ذلك غزواً استيطانياً إحلالياً، وهذه العصابات المسلحة التي أبادت شعباً واحتلت أرضاً قامت كذلك بغزو استرقاقي للقارة الأفريقية كانت تلاحق فيه الأفارقة كما يلاحق الصياد صيده وتنقلهم بالبواخر لتستعبدهم وتسخرهم وكانت تلقي طعمة للسمك من تريد منهم عندما تضطرب أمواج البحار والمحيطات بسفنهم وبذلك قامت الدولة في نيو إنجلند على غير ما هو طبيعي في قيام الدول.
والأمر نفسه جرى في فلسطين المحتلة حيث جاءت العصابات الصهيونية اليهودية المسلحة المدعومة من بريطانيا والغرب وبعد الحرب العالمية الثانية من أمريكا، ومارست هذه العصابات غزواً استيطانياً إحلالياً حيث أبادت بالمجازر، أو هجرت قسرياً المواطنين الفلسطينيين، وقامت هذه العصابات بتأسيس دولة عدوة إسرائيلية مغتصبة بالطريقة نفسها التي قامت بها دولة الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن عصابات احتلت أرضاً طردت أو قتلت أهلها وأقامت سلطتها على أساسها.
تأسيساً على ما تقدم نتج توحد في منطلقات وثقافة قيام السلطة بين الأمريكي والإسرائيلي، بهذا صرّح جورج بوش في نيسان/ أبريل 2002 يوم اجتاح شارون الضفة الغربية، معرفاً شارون بأنه رجل سلام، ولذلك لا يرى قادة أمريكا المتصهينون مشكلة في دعم الأطماع الصهيونية اليهودية بسبب وحدة النشأة من جهة، والفكر الديني النابع من مزاعم في العهد القديم من جهة ثانية، وبسبب التخطيط الأمريكي كي يكون العدو الإسرائيلي حارساً لمصالحهم في محيط فلسطين الجغرافي من جهة ثالثة.
وتلتقي الصهيونيتان اليهودية وغير اليهودية على الأطماع في فلسطين وما حولها، ويربطون ذلك بالمجيء الثاني للمسيح، وأن ذلك سيكون بعد جملة خطوات لا بد منها وهي:
1 – تجميع يهود في فلسطين المحتلة على أنها أرض الميعاد كما يزعمون.
2 – تهويد القدس على أنها حسب زعمهم عاصمة الكيان الإسرائيلي العدو المغتصب.
3 – تقويض المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، وأقول المزعوم لأن التنقيب الذي قام به الإنكليز منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى العام 1954، وبعدها التنقيب الإسرائيلي منذ العام 1967 حتى العام 1999 لم يسعفهم بالعثور على آثار لهيكل في القدس، وقد أصدرت اللجنة الإسرائيلية المكلفة بالتنقيب تقريرها تقول فيه: لا أثر لهيكل سليمان في القدس أو ربوعها، والتقرير موقع من: جدعون أفني, وزوني رايخ، وياشير زاكوبتش، وزئيف هرتسوغ، وتوفيا ساجيف.
|