هنتنجتون وأُفُول الغرب
عبد الله بن ناصر الصبيح 3/3/1426
12/04/2005
لكل أمة نصيبها من القوة والضعف، و لكل منهما أسبابه الداخلية والخارجية.
وأعظم القوة ما كان قوة ذاتية، وأخطر الضعف ما كان ضعفاً داخلياً في كيان الأمة.
وعقلاء الأمم يتلمسون مواطن ضعف أممهم في حال قوتها فينبهون عليها أمتهم لتتلافى ضعفها، وتصلح ما فسد من كيانها. وينبهون أيضا على مواطن قوتها في حال ضعفها كي تستفيد من عناصر القوة فيها؛ فتنميها ولئلا يستولي اليأس على أبناء الأمة فيتركون العمل ويرضون بالتبعيّة لغيرهم من الأمم.
هنتجنتون في كتابه الشهير "صدام الحضارات" تناول هذا الموضوع فنبه على ما يرى أنه مخاطر تهدد الحضارة الغربية، وعقد موازنات بينها وبين الحضارات الأخرى ولاسيما الحضارة الإسلامية. ويبدو أنه يرى أن الخطر الأكبر الذي يهدد الحضارة الغربية قادم من الحضارة الإسلامية التي لخّص وجهة نظره فيها بأنها حضارة حرب وصدام، وحدودها مع جيرانها متسمة بالحرب والدم.
والذي يلفت نظر من يطالع كتاب هنتنجتون يلاحظ أنه كان مشغولاً بمواطن ضعف الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية - ومواطن قوة الحضارات الأخرى المنافسة له.
وتناول هنتنجتون عوامل ضعف الغرب في مواطن عدة من كتابه وخصه أيضاً بالقسم الثاني من أقسام الكتاب الخمسة، وعقد فصلاً عنوانه "أفول الغرب". والذي يبدو أن فكرة صدام الحضارات ليست إلا محاولة من هنتنجتون للدفاع عن الحضارة الغربية في مواجهة الحضارات الأخرى التي اتسمت اتجاهات الانبعاث الثقافي فيها كما لاحظ هنتنجتون
برفض الحضارة الغربية وتأكيد هويتها المستقلة.
تناول هنتنجتون في حديثه عن ضعف الغرب عدداً من القضايا منها الإقليم والسكان والاقتصاد والعسكرية، و ظاهرة الانبعاث الديني ومدى تقبل الحضارات الأخرى للغرب وقيمه.
وتحت كل قضية عقد موازنة بين الغرب وبقية الحضارات الأخرى مبيناً نصيب الحضارة من القضية المطروحة.وهذه بعض الأمثلة:
من ناحية الإقليم والسكان نجد أن الغرب في عام 1920 وقت ذروة الاستعمار العسكري كان الغرب يحكم مباشرة (25.5) مليون ميل مربع أو ما يقرب من نصف مساحة الأرض، ولكن في عام 1993 تقلصت المساحة إلى (12.7) مليون ميل مربع. وإقليم المجتمعات الإسلامية المستقلة كانت (1.8) مليون ميل مربع في عام 1920 ولكنها في عام 1993 ارتفعت المساحة إلى أكثر من (11) مليون ميل مربع.
أما السكان فقد شكل الغرب ما يقرب من30 % من سكان العام في عام 1900 وكان يسيطر على 45% من سكان العالم وفي عام 1993 تناقصت نسبة الغربيين إلى 13% من سكان العالم، والاستعمار المباشر انتهى تقريباً ويتوقع أن تنخفض نسبة الغربيين إلى 10% في عام 2025 .
والقضية الأخطر التي يطرحها هنتنجتون هنا هي أن المجتمعات الإسلامية مجتمعات شابة، أما المجتمعات الغربية فهي تتجه نحو الشيخوخة. ويستدل على ذلك بمعدلات النمو ونسبة الشباب في كل حضارة. فبينما معدلات النمو في العالم الإسلامي تتراوح بين 2 إلى 3 في المائة، أما في المجتمعات الغربية فمعدلات النمو أقل من واحد في المائة. أما الشباب وهم مَن أعمارهم تتراوح بين 15 و24 سنة فنسبتهم في المجتمعات الإسلامية تجاوزت العشرين في المائة، وفي المجتمعات الغربية فالنسبة تتراوح بين عشرة واثني عشر في المائة.
ويستنتج هنتنجتون مما سبق أن الغرب يشهد تناقصاً كميا وكيفياً ويقول:" إذن من الناحية الكمية يشكل الغربيون أقلية تتناقص بثبات مقارنة ببقية سكان العالم، ومن الناحية الكيفية فالتوازن بين الغرب والسكان الآخرين آخذ في التغير؛ الشعوب غير الغربية يصبحون مع مرور الوقت أفضل صحة وأكثر تحوّلاً نحو حياة المدن وأكثر متعلمين وأفضل تعليماً" (ص 84) ويستشهد على أهمية التحوّل في محو الأمية، والاتجاه نحو سكنى المدن، وأنه يجعل
الشعوب أكثر قوة بما حصل في عام 1953 في إيران حينما أسقطت ثورة مصدق الشاه، ولكن لما كان المتعلمون أقل من 15% من الإيرانيين، وسكان المدن أقل من 17 % استطاع روزفلت وعدد محدود من المخابرات المركزية الأمريكية إخماد الصحوة وإعادة الشاه إلى عرشه. أما في عام 1979عندما كان أكثر من 50% من الشعب متعلمين و47.9% من سكان المدن لم تستطع أي قوة عسكرية أمريكية ضمان استمرار الشاه على
عرشه.
ومن الناحيتين الاقتصادية والتقنية فالغرب متفوق على غيره فيهما بمستوى رفيع، ولكن هنتنجتون يرى أن التقنية مهددة بالتسرب إلى العالم الإسلامي نتيجة للعولمة، ويقترح أن يمنع الغرب هذا التسرب من أجل الاحتفاظ بالتقنية، ولكن هل المنع ممكن؟! الذي يبدو مما ذكره هنتنجنتون أنه غير ممكن. ويخلص هنتنجتون إلى هذه النتيجة:"إن الصورة اللامعة التي سادت مائتي سنة عن التفوق الغربي على الاقتصاد العالمي سوف تنتهي".
لعل القضية الأخطر التي ناقشها هنتنجتون هي قضية هوية الحضارة الغربية فهو يرى أنها مهدّدة من الدعوة للتعدّدية الثقافية، ومن المهاجرين ولاسيما المهاجرين المسلمين الذين يرفضون الاحتواء، ويستمرون في الارتباط مع قيم مجتمعاتهم وثقافاتها وعاداتها، ويرى أن صراع الهوية هو أشد ما يُهدّ د الولايات المتحدة الأمريكية، التي يرى أن بقاءها وسلامتها ضمانة لاستمرار الحضارة الغربية وبقائها متماسكة.
والولايات المتحدة الأمريكية مثلاّ ستصبح دولة متصدعة، وعرضة للحرب الأهلية والتشرذم إذا فشلت في معركة الهوية فعجزت عن احتواء الأقليات المهاجرة.
أما هوية الحضارة الغربية فهي في نظره "مسيحية"، وهذه الحضارة يمكن أن تقوّض بإضعاف
مكونها الرئيسي" المسيحية". وانتقد هنتنجتون أولئك المفكرين الأمريكان الذين
يرفضون موروث بلادهم الثقافي، ويدعون إلى التعدّد الثقافي ويقول : "قيادات البلدان الأخرى كما رأينا في أوقات ما حاولوا التنصل من موروثهم الثقافي وغيّروا هوية بلدانهم من حضارة أخرى. ليس هناك حالة مؤرخة نجحت وبدلاً من ذلك خلقوا بلداً ممزقة.
التاريخ أوضح بأنه ليس هناك دولة تستطيع الاستمرار كمجتمع متماسك ومتحدة وهي ذات ثقافات متعددة، (إنها) لن تكون الولايات المتحدة ولكن ستكون الأمم المتحدة".
هينتنجتون مشغول بقضية الهوية، وأفول الغرب، وتصدّع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولعل هذا ما دعاه إلى تقديم رؤية لمعالجة المشكلة في كتابه الأخير "من نحن؟"