لست نادم
- ؟-
لماذا لا أستطيع النوم !
قام من فراشه بصعوبة بالغة
ثم سحب إليه كرسيه المتحرك... ولم يكد يمتطيه
حرك العجلات بهدوء وهو يفكر في سبب ما
وصل إلى النافذة الكبيرة في منتصف البيت
اقترب منها... ثم ألصق راحة يده اليمنى بالزجاج
كان يقيم في الدور التاسع والعشرون
وكان منظر المدينة ليلا لا يوصف
ناطحات السحاب زينتها الأنوار الحمراء
وبعضها لا يزال منيرا بالإضائة الداخلية
مصابيح السيارات الحمراء والبيضاء تمشي خطاها في تجانس وهدوء
بدت لوهلة وكأنها تلك الحشرات المنيرة
كانت المدينة في حالة ما بين الذروة والخمول
تثاقل رأسه فألصقه هو الآخر بالزجاج
ولكن...
لم يكد يلمسه... حتى تفتت الزجاج في صمت
وسحبه ضغط الهواء الخارجي الضعيف ليكمل فراغه
ولكنه لم يأبه... ظل هادئا غير فزع
وبدأ في السقوط
كل شيء أمامه كان يتحرك ببطء
حتى هو... كان يسقط ببطء شديد
تلفت يمينا .. ثم شمالا فلمح رجلا عائدا من سفره...
يستقبله زوجته وابنته الوحيده
ثم انتبهوا له وهو يسقط ...
ثم نظر يمينا .. فإذا بأحدهم يلون زجاج نافذته... فانتبه إليه وهو يسقط
نظر شمالا مرة أخرى.. فإذا بفتاة تنتحب في قوة... فانتبهت إليه وهو يسقط
بدى له في وهلة ما.. بأن هؤلاء هم من سيودعونه في آخر لحظات له
فأخذ يلوح لهم بيده علامة الوداع
أخذت المناظر تتوالى ... وكل شيء يسير في بطء
حتى لاحظ بأنه اقترب كثيرا من الأرض
فنظر إلى حيث سيستقر.. غير مبالٍ
وأخذت سرعة الحركة تتباطئ في شدة... أشد من ذي قبل
حتى لم يفصل بينه وبين الأرض سوى بضع ملليمترات
....توقف كل شيء....
عندها سمع باطن عقله يطمئنه
" لست نادما... "
أظلمت الدنيا
ثم لاح نور يقترب من بعيد
اكتشف بأنه سقط في موقع مظلم ... وأن ما يراه قادما هو مصباح سيارة
- مالذي حدث؟ ... لماذا لم أمت؟
لم يحس بأي ألم
ولكنه أحس حينها بآخر نبضة دق بها قلبه
وبالتالي توقف عن التنفس
ولكنه مازال يفكر .. ويرى بعينه اليسرى التي لا تزال سليمة
أيقن حينها بأن دورهما قادم... وأن كل شيء سينتهي قريبا
اقتربت السيارة
اقتربت أكثر وأكثر
حتى لم يعد يرى إلا إطارها يدور في بطء
واقترب الإطار
اقترب أكثر وأكثر
حتى لم يعد بينه وبين رأسه إلا بضع ملليمترات
عندها سمع باطن عقله مرة أخرى
" لست نادما ..... لست نادما "
وأظلمت الدنيا مرة أخرى... ولآخر مرة ...