كشف تقرير بثته شبكة (نايت ريدير) الأمريكيّة حول الفساد الإداري والمالي المستشري في العراق عن نهب منظم وكبير للعراق من قبل قادته الجدد، وأن العمل جارٍ على إخضاع الدولة ومؤسساتها لهيمنة الأطراف السياسية الفاعلة، ابتداء من مجلس الحكم وانتهاء بحكومة علاوي ، وهذه الأطراف جعلت من الدولة العراقية مرتعاً خصباً لاستشراء واتساع الظاهرة التي لا يمكن التصدي لها والقضاء عليها بسهولة ويسر.
الأطراف المشاركة في إدارة الدولة العراقية الجديدة جمعت ما بين الخاص والعام بشكل مفرط، وصادرت لصالح منتسبيها ومسؤوليها القصور والشقق والسيارات، واستنفرت ووظفت الحراسات الشخصية على حساب الدولة، وأجازت لمنظماتها السيطرة على منشآت ومبانٍ حكومية أو شبه حكومية (مقرات سابقة لحزب البعث ومنظماته أو مرافق ومراكز مؤسسات الدولة، استخبارات، أمن) وزادت من الحواجز الإسمنتية والحراسات حول هذه المقرات، وتكاليفها تتحملها ميزانية الدولة العراقية.
ظاهرة اقتسام كعكة العراق لم تقتصر على بغداد فحسب وإنما عمّت العراق من أقصاه إلى أقصاه، ويبدو أن هذه التصرفات قواسم مشتركة لأغلب القوى السياسية.
في الجادرية "على سبيل المثال" - في بغداد - سيطر الاتحاد الوطني الكردستاني على مجموعة قصور لرموز النظام السابق، أحد هذه القصور خُصّص لإقامة جلال الطالباني تبلغ مساحته أكثر من عشرة آلاف متر مع ملحقاته، وزُوّد بأكثر من (2000) عنصر حراسة من البشمركة.
وفي المنطقة ذاتها سيطر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لصالح زعيمه عبد العزيز الحكيم على قصرين مجاورين بمساحة كبيرة تمتد من شاطئ دجلة والسدة والشارع المار بهما، وسيطر حسين الصدر في الشارع ذاته على مساحة كبيرة، وعدد من القصور، وبذات الطريقة سيطر بختيار أمين على عدد من المباني كذلك حسب نفس التقرير.
وفي مدينة المنصور يطول الحديث عن المساحات التي سيطر عليها حزب المؤتمر الوطني العراقي والوفاق الوطني وحزب الدعوة والاتحاد الوطني الذي تفوق عدد مقراته الحزبية هو والحزب الديمقراطي الكرستاني ما هو موجود منها في منطقة كردستان العراق ذاتها! .
أما في الكاظمية فقد سيطرت جماعة حسين الصدر على مباني قاعة الكاظمية المخصصة للنشاطات المدرسية، وهي القاعة الوحيدة للمسرح في تلك المدينة، وأُغلق الشارع المار بها، فيما سيطر حزب الوفاق الوطني على مباني شعبة الكاظمية لحزب البعث ليتخذه مقراً للوفاق، ولم يكتف أحمد الجلبي بالسيطرة على مؤسسة الطحين والبستان في الكاظمية حيث يعتبرها إرثه الشرعي، ولم ينتظر كحال عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين لعرض شكواه على الجهة الحكومية التي تنظر بنزاعات الملكية، لكن القوة والسلاح كان لهما الفعل الحاسم لفض الاشتباك!
موفق الربيعي اشترى قصراً على كورنيش الكاظمية بمبلغ خيالي يُقدّر بمليون ونصف مليون دولار .. لم يسأله أحد من أين لك هذا؟ أما سالم الجلبي ابن عم أحمد الجلبي " فقد تولى هو ورجاله مهمة" تنظيف" كراجات القصور الرئاسية من السيارات حيث تم تجميعها في مزارع الراشدية.
والأمثلة كثيرة وكثيرة جداً تتجاوز تفكيك المعامل والمصانع وعشرات الآلاف من السيارات الحكومية التي هُرّبت إلى دول الجوار من قبل أعضاء ومسؤولين في تلك الأحزاب.
إنّه إذاً نهب جماعي من قبل قادة العراق الجدد للعراق وأرضه وشعبه.. فثمة سيطرة على الأراضي الحكومية وتوزيعها حزبياً وطائفياً، وسيطرة على منافذ الحدود من قبل مافيات الأحزاب والقوى الحاكمة وتغييب دور الدولة. وما يجري في جنوب العراق من عمليات تهريب النفط الخام والمشتقات النفطية إلى خارج العراق، المستوردة أصلا للاستهلاك الداخلي يدخل أيضاً في إطار عملية نهب كبرى للعراق.
ولم يتوان أقرباء المسؤولين الحكوميين عن استغلال العلاقات العائلية، وخير مثال على ذلك حادثة تهريب مجموعة كبيرة من الشاحنات محملة بالمواد الغذائية إلى سوريا من قبل المدعو مشعان مانع عجيل الياور، ابن عم غازي الياور، وذكر التقرير أن تركة النظام السابق من الأموال المنقولة وغير المنقولة للأشخاص وحزب البعث ومنظماته في داخل وخارج العراق هو مال عام يعود للدولة العراقية والشعب العراقي، تتم مصادرته والسيطرة عليه واستغلاله من قبل الجهات ذات العلاقة (وزارة المالية)، وكل تصرف جرى ويجري من قبل القوى والأحزاب والفعاليات العراقية والأشخاص، سيكون باطلاً ، ويجب أن يخضع للتدقيق وللمحاسبة. وعليه لا يمكن للجمعية الوطنية أن تبدأ أعمالها وأشغالها وأغلب أعضائها انتفع ولا يزال بدون وجه حق بأموال عامة تعود ملكيتها للشعب العراقي وليس لأحزاب وأفراد.
ويكشف التقرير عن أنه حين سقوط النظام العراقي توفر مبلغ في حساب النفط مقابل الغذاء تجاوز (21) مليار دولار، إضافة لمبالغ تمت السيطرة عليها من البنك المركزي العراقي والبنوك الأخرى التي عثرت عليها قوات الاحتلال في أنحاء مختلفة من العراق تتجاوز سبعة مليارات دولار، إضافة لمبالغ بيع النفط العراقي التي تجاوزت (31) مليار دولار، أي توفر أكثر من (59) مليار دولار أمريكي خلال سنتين من تاريخ سقوط نظام صدّام حسين. وتساءل معدّو التقرير: أين ذهبت، وكيف صُرفت تلك المبالغ؟ وأغلب الوزارات كما يدّعي المسؤولون عنها، تعاني من شحّ المخصصات لمشاريعها أو حتى دفع الرواتب الشهريّة لمنتسبيها، كوزارة الداخلية مثلاً.
ويُشار في هذا السياق إلى أن الفساد المالي والإداري المستشري في العراق، استدعى منظمة الشفافية الدولية للتنديد بالحكومة العراقية لعدم اعتمادها سياسة متشدّدة لمكافحة الفساد، ودعت المنظمة الدولية لإجراءات صارمة وفورية لمكافحة الفساد قبل أن تبدأ النفقات الحقيقية لإعادة الإعمار، محذرة من أنه في حالة العكس فإن العراق "لن يصبح يوماً مناراً للديمقراطية كما تريد له إدارة الرئيس بوش بل أضخم فضيحة فساد في التاريخ المعاصر ".