قد يختلف المتخصصون حول الخصائص التي يجب أن تتمتع بها صواريخ الجيل الرابع جو - جو قصيرة المدى. ولكن يتفق معظم هؤلاء المتخصصين على أن هذا النوع من الصواريخ يجب أن يتمتع بعدة خصائص أهمها خفة الحركة العالية (Agility) أو القدرة الكبيرة على المناورة وذلك من خلال الجمع بين استخدام تقنية توجيه الدفع (Thrust Vectoring) للمحرك الصاروخي و -أو استخدام التحكم الايروديناميكي المتقدم، والقدرة على إطلاق وتتبع الصاروخ في حالات انحراف الهدف بعيدا عن خط البصر (Off-bore sight) وذلك باستخدام منظار التسديد المركب على خوذة الطيار (Helmet Mounted Sight - HMS)، واستخدام نظم البحث المتقدمة التي لها مقاومة عالية للإجراءات المضادة للأشعة تحت الحمراء، وأخيراً أن تتمتع تلك الصواريخ بقدرة كبيرة على تدمير الأهداف المعادية (Lethality).
بالرغم من أن معظم الخبراء العسكريين قد تنبأ بأن القتال الجوي القريب، أو ما يطلق عليه Dog fight، سيكون محدودا للغاية وأشاروا في هذا الصدد إلى أن معظم الخسائر التي تمت أثناء حرب الخليج الثانية أو الحرب فوق ***وفو كانت نتيجة لاستخدام أسلحة موجهة متوسطة المدى... بالرغم من ذلك فما تزال بعض الدول، مثل إسرائيل، تركز على تنمية مهارات القتال القريب، كما أن تقريرا صادرا عن وزارة الدفاع الأمريكية قد أشار إلى أن ما يقرب من 25% من القتال جو-جو قد ينتهي باستخدام تكتيكات وأسلحة القتال داخل مجال الرؤية المباشرة للطيار (Within Visual Range -WVR) أو القتال القريب.
يعتمد اختيار الصاروخ جو - جو على نوع الطائرة المقاتلة وهو مايجعل اختيار حزمة تجهيزات وتسليح الطائرة المقاتلة أمرا بالغ الصعوبة والحرج. ينظر الكثير من مخططي القوات الجوية إلى الصواريخ قصيرة المدى على أنها سلاح احتياطي، بينما ينظر هؤلاء إلى نوع صواريخ الاشتباك خارج مدى الرؤية البصرية جو - جو (Beyond Visual Range Air to Air Missile - BVRAAM) على أنها العامل الحاكم عند التخطيط لتوفير طائرات القتال. بالرغم من ذلك فإن الصواريخ جو - جو قصيرة المدى التي على وشك دخول الخدمة من المتوقع أن تؤثر على إعادة النظر إلى القتال القريب حيث سيصبح هذا النوع من الاشتباكات أكثر تدميرا، وأسرع، وهو ماسيجعل الفرق القتالي بين الطائرات المقاتلة الصغيرة والرخيصة نسبيا وبين الطائرات متعددة المهام الأكبر والأعلى ثمنا، ضئيلا. قد تكون الطائرة الأصغر حجما في هذا النوع من الاشتباكات لها ميزة نظرا لصعوبة رؤيتها أثناء القتال القريب حيث سيصبح الطيار الذي يرى خصمه أولاً قادرا على تدميره بهذه الأنواع الجديدة من الصواريخ القاتلة التي تعني أن إطلاق الصاروخ معناه تدمير الخصم.
بالنسبة للجيل الرابع من الصواريخ جو-جو قصيرة المدى جاء التقدم التقني الكبير من الاتحاد السوفييتي سابقا الذي قام بتطوير الصاروخ فيمبل آر - 73 (المعروف لدى دول حلف الناتو باسم AA-11 ARCHER) الذي هو فعلا جيل متقدم عن الصواريخ الغربية من هذا النوع وتم الإعلان عن هذا الصاروخ في عام 1986 ومازال هذا الصاروخ فعالا بدرجة كبيرة حتى الآن. لقد كان الدافع نحو قيام الاتحاد السوفييتي بتطوير الصاروخ R - 73 هو الاعتقاد السائد في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو تقوم بتطوير الجيل التالي للصواريخ (سايد ويندر) تحت برامج سرية بينما في حقيقة الأمر كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها مشغولة ومهتمة بتطوير صواريخ الاشتباك مع ما هو خارج مجال الرؤية المباشرة (BVRAAM) وهو الصاروخ المتقدم متوسط المدى جو - جو (الذي يشار إليه اختصارا بالأحرف AMRAAM) طراز AIM - 120 على حساب تطوير صواريخ الاشتباك مع أهداف داخل مجال الرؤية المباشر (WVR).
لقد حقق الروس بذلك سبقاً في هذا المجال ولحق بهم في منتصف التسعينات الإسرائيليون حيث قاموا بتطوير الصاروخ بايثون 4 (PYTHON 4) ثم بعد ذلك تم تطوير الصاروخ الأمريكي سايد ويندر AIM - 9X. لقد تميز الصاروخ الروسي R - 73 أيضا بتكامله مع جهاز التسديد المركب على خوذة الطيار (HMS) مما يتيح الاشتباك مع الأهداف البعيدة عن خط البصر. وإذا أخذ في الاعتبار أن هذا الصاروخ يتم استخدامه مع عائلة الطائرات MIG - 29 وعائلة الطائرات Su - 27 اللتين تتميزان بقدرتهما العالية على المناورة فلا شك أن صدمة دول حلف الناتو كانت كبيرة نتيجة لمدى تقدم هذا الصاروخ.
تم فيما بعد تطوير نسخ جديدة للصاروخ R - 73 لها قدرة أكبر على الاشتباك مع الأهداف التي تبعد أكثر (من النسخ السابقة) عن خط البصر (حتى 60 درجة) وإذا تم الربط بين القدرات وقدرة الطائرات Su - 30 MK المجهزة بتقنية توجيه الدفع (Thrust - Vectoring) فإن التهديد يصبح خطيرا. لقد قلل بعض الخبراء من أهمية الأداء العالي الذي أظهرته عائلة طائرات السوخوي خلال معارض الطيران الدولية معللين ذلك بأن تلك المناورات العالية التي قامت بها تلك الطائرات هي لأغراض العرض فقط وليس لها أهمية أثناء القتال الحقيقي. بالرغم من تلك الإدعاءات فإن المناصرين لتلك الطائرة يقولون إن الجمع بين منظار التسديد المركب في خوذة الطيار (HMS) والصاروخ R - 73 يتيح لطيار الطائرة السوخوي وقتا كافيا ليرى ويطلق صاروخه خلال مناورة ما بعد التوقف. لقد كشفت محاكاة سرية تمت في الولايات المتحدة الأمريكية أنه يمكن لقائد الطائرة Su- 30 MK المجهزة بنظام توجيه الدفع أن يطلق صاروخاً موجهاً بالرادار، ثم يقلل من تسارعه ويغير اتجاهه ثم بعد ذلك يطلق صاروخا قصير المدى طراز R-73، وفي مثل تلك الحالة سيمكن لهذا الطيار في كل مرة أن يتفوق على أي طائرة أمريكية من النوع F-15C. ومن المعروف أن الطائرات سوخوي طراز Su- 30MK تم تصديرها لكل من الهند والصين وهي معروضة حاليا في السوق العالمي.
السوق العالمي للصواريخ قصيرة المدى والعوامل المؤثرة فيها
يمكن القول إن السوق العالمي لصواريخ الاشتباك داخل مجال الرؤية المباشرة (WVR) يرتبط ارتباطا كبيرا بالسوق العالمي للطائرات المقاتلة حيث يرتبط كل عقد جديد لتصدير طائرة مقاتلة سواء كانت يورفايتر، رافال، جريبن، F-16،F/A-18 أو Su - 27 .. يرتبط إلى حد كبير باختيار محدد لنظم تسليحها يتوافق مع قدرات وخصائص الطائرة.
بالرغم من الطبيعة المقيدة لتلك السوق، حيث من غير المتوقع أن يتم شراء طائرة مقاتلة بدون تسليح والأعداد التي قد يظهرها الاستعراض السريع لتلك السوق إلا أن هناك عدداً من العوامل الأخرى يلزم أخذها في الاعتبار.
بالرغم من أن الصراعات الحديثة (والمتوقعة وآخرها الحرب الأنجلو أمريكية ضد العراق والحرب ضد ما يسمى بالإرهاب) تميزت بعدم وجود قتال جو - جو حتى الآن إلا أنه كان هناك تحوُّل من المعارك داخل مجال الرؤية المباشرة (WVR) إلى الاشتباك على المدى الطويل. لقد كان لاستخدام طائرات الإنذار المبكر المحمول جوا (AWACS) مع الرادارات المتقدمة للطائرات المقاتلة والصواريخ أثرهما الكبير في سيادة الصواريخ المتقدمة جو - جو متوسطة المدى (AMRAAM) في المعارك الجوية منذ منتصف فترة التسعينات.