تعيد المواجهات العسكرية الشرسة الدائرة في منطقة القائم العراقية الحدودية طرح السؤال حول مستقبل المقاومة العراقية في ضوء تطور الرؤية والاستراتيجية الأميركية في إدراك طبيعة المقاومة المسلحة والعمل على تجفيف منابعها وصولاً إلى اجتثاثها. وعلى الرغم من تصريح الجنرال الأمريكي "مارك كيميت" بأنّ القضاء على الزرقاوي لا يعني نهاية المقاومة المسلحة؛ إلاّ أن المؤشرات الأخيرة تدل على تطور كبير في التعامل مع المقاومة يقوم على إدراكٍ أعمق لطبيعتها وبنيتها التنظيمية وبعدها الاجتماعي.
ولعلّ الدرس الأميركي الرئيس من اقتحام الرمادي والفلوجة يتمثل بنتيجة واضحة وهي: أن القضاء على المقاومة العراقية لن ينجح إلاّ في تجفيف منابع التأييد والدعم الذي تحظى به من المجتمع السني، الذي يعتقد الأمريكان أن سبب تأييده للمقاومة العراقية هو شعوره بأنه المتضرر الأكبر من زوال النظام السابق، الأمر الذي ساهم في تعزيز الدعاية الأمريكية المغازلة للشيعة، ولإعادة الاعتبار لدورهم السياسي. وبناء على هذه القناعة فقد حدث تعديل في السياسة الأمريكية تجاه المجتمع السني تمثلت أبرز معالمها بمحاولة استرضائه والتخفيف من درجة مخاوفه، من خلال العديد من السياسات، ومنها التواصل مع شيوخ من العشائر السنية وإعادة الاعتبار لهم، والرجوع عن قرار استثناء أعضاء حزب البعث من الكوادر المتوسطة والدنيا، والسماح لهم بالعمل في المؤسسات الجديدة، الأمر الذي ينطبق أيضاً على أفراد الجيش العراقي المنحل، وفتح باب الحوار مع قوى وشخصيات سنية لتشجيعهم على المشاركة في العملية السياسية وإنجاحها، وإقناعهم أن السنة هم المتضرر الأكبر من الغياب عن هذه العملية. كما امتدت الجهود الأمريكية إلى الدول العربية لتلعب دوراً في التأثير على السنة. كما مارست الإدارة الأمريكية ضغوطاً على الشيعة كي لا يستأثروا في المناصب والنفوذ السياسي، وفتح المجال للسنة للعب دور في المرحلة السياسية القادمة.
السياسات الأمريكية الجديدة بُنيت على " قاعدة ذهبية" وضّحها "بروس هوفمان" في مقاله " دروس من الماضي لمستقبل العراق" وتقوم القاعدة على مقولة لماوتسي تونغ تصف المقاومين بالسمك الذي لا يعيش إلا في المياه الصديقة، وأن القضاء على المقاومة يستدعي عزله عن هذه المياه ليسهل القضاء عليه. وتعكس هذه القاعدة جوهر الخبرة الأمريكية في التعامل مع المقاومة العراقية إلى الآن وملخصها عزل المقاومة عن المجتمع السني، وهي النتيجة التي أكدها الكثير من الباحثين وفي مقدمتهم فريد زكريا في مقال له في مجلة (نيوزويك) في ذكرى مرور عامين على احتلال العراق، ودعا فيها إلى استرضاء المجتمع السني، وأشار إليها مؤخراً مارك كيميت.
ومن الواضح تماماً أن هذه السياسات قد بدأت تؤتي أُكُلها، وأن الإدارة الأمريكية نجحت إلى الآن في حصد جزء من نتائجها، فقد عُقد مؤتمر سني مؤخراً بتأييد من الحزب الإسلامي، وحضره عدد كبير من الزعماء السنة، وكانت أبرز نتائج المؤتمر بروز ميل واضح للمشاركة في العملية السياسية. وأشارت معلومات مؤخراً إلى مفاوضات بين حزب البعث وبين القادة الأمريكان ترتب عليها إلى الآن توقف عمليات حزب البعث. ، وقد أكدت تقارير أمنية وجود تنسيق بين القوات الأميركية وضباط سوريين لمحاصرة المقاومين في منطقة القائم والتضييق عليهم. الأمر الذي يعني أن هناك اختراقاً أمريكياً استراتيجياً للمقاومة العراقية، وتفعيل للآليات السياسية لخدمة الآليات العسكرية، وفي حال نجاح القوات الأمريكية في اعتقال أو القضاء على "أبو مصعب الزرقاوي" فإنها بالتأكيد تكون قد حققت نجاحاً أمنياً خطيراً وكبيراً.
في المحصلة التحول السابق في السياسة الأمريكية يكشف أن التحدي الحقيقي أمام المقاومة العراقية اليوم هو الجانب السياسي والاتفاق على الإستراتيجية والأهداف والهوية، والتي تضع القيادة السياسية في إدارة المقاومة وتمنع انحراف المقاومة عن أهدافها وخروجها عن النسق الذي يضمن ديمومتها وبقاءها .