|
خيول القصّ والخيال في سهوب الماضي الشاسعة
خيول القصّ والخيال في سهوب الماضي الشاسعة
الإنسان وما يرتبط به من مكان وبيئه وتقاليد وعادات وعقائد شعبيّة كان هو اللغز الذي ينمّي الخيال لدي القاريء ويثير فضوله المعرفي، هذا في الماضي. أمّا اليوم فإن الزمن نفسه هو اللغز وهو مادة ما وراء الخيال المحفّزة للبحث بدافع التوق لرؤية ما لم تُتح رؤيته. والمقصود بالزمن هنا ليس الوقت كرقم مجرد بل كلّ فعّالية يصنعها الوقت وكلّ حدث يتولّد من صلب النشاط البشري.
من صلب العلاقة بين الأفراد ومجتمعاتهم، والمجتمعات وبيئاتها، ويدخل ضمن هذا النتاج التاريخ والتطور والحضارة بتنوع فروعها وتفاصيلها.
لتقريب الصورة يفترض أن نضع مقارنة بسيطة بين رؤيتين أو توقين أحدهما من الماضي والآخر من الحاضر. حتي وقت قريب كان المرء يقف حائراً عند سفح جبل أو تخوم غابة أو عند ساحل بحر أو حتي سور لقصر سلطاني يتساءل بفضول عمّا يوجد خلف كلّ هذه الصروح والموانع في وقت كانت معرفة هذا المجهول متاحة فقط لنخبة قليلة من الناس. واليوم وحين يستطيع المتلقي العادي معرفة جغرافيا العالم بيئة وبشراً من خلال فيلم وثائقي أو جهد بسيط مع واحدة من وسائل الإتصال الحديثة. يتحول اللغز من مغامرة قطع المكان إلي مغامرة ركوب الزمن من نقطة الحاضر بحثاً في الماضي أو استنتاجاً للمستقبل وكلا الرحلتين مفتوحتان علي احتمالات عديدة. فالسؤال اليوم لا يبحث عمّا وراء الأكمة أو الماء والسور، بل عمّا وراء الحدث كاحتلال اليابانيين لمنشوريا مثلا أو البريطانيين للهند أو بونابرت لمصر أو ما كان يجري في قصر الحمراء وكيف تجري معاملات التجّار العرب في الشرق الأقصي وطرق اللؤلؤ والحرير والتوابل وملح البارود وغيرها أدباً ووثائق وخططاً ومذكرات وكتب رحلات وسجلات سفن غارقة.
كلّ هذه التفاصيل أعتقدها ضرورية قبل الدخول إلي الحديقة السرّية الرواية الكلاسيكيّة الإنكليزيّة التي كتبت في السنة الأولي بعد العقد الأول من القرن الماضي الذي كنّا نتباهي بتسميته بالقرن العشرين للروائيّة فرانسيس برنيت (1849 ــ 1924). الصادرة مؤخراً عن دار المني للطباعة والنشر بستوكهولم ونقلتها إلي اللغة العربيّة المترجمة سكينة إبراهيم.
لعلّ سحر هذا العمل الإبداعي ينبع من المفارقة الزمنيّة، من عمليّة كشف السُتر عن مشهد لا يُمكن فهمه والتشبع به إلا عن طريق حاسّة إنسانيّة دقيقة وصادقة عاشت الحقبة الزمنيّة ذاتها ونقلت تفاصيل الأحداث في عمل إبداعي أمين ورفيع بإسلوب ينقل العين القارئة بين دراما الفصول المكتوبة وتصاعدها بحرص ودراية تمسك بالقاريء إمساك الدليل الخبير بضالته بحيث لا تترك فرصة لنأمة أو غفلة أو ملل.
فكلّ عنصر من عناصر الرواية يتطوّر ويشغل القارئ بنفس السويّة، الأبطال والبيئة وتاريخية الحدث.
|