صلى الله عليه وسلم
الحمد لله الذي أرسل الرسل إلينا إعذاراً منه وإنذاراً .. فأتم بهم على من اتبع سبيلهم نعمته السابغة وأقام بهم على من خالف مناهجهم حجته البالغة فنصب الدليل وأنار السبيل وأقام الحجة وأوضح المحجة وكتب على نفسه الرحمة ، فسبحان من أفاض على عباده النعمة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها السماوات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة ولأجلها جردت سيوف الجهاد وبها أمر الله سبحانه وتعالى العباد فهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه وحجته على عباده وأمينه على وحيه أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بأذنه وسراجاً منيراً ، فشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وافترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه وسد الطرق إليه وإلى جنته فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق و الأقوال والأعمال وهو الفرقان المبين الذي باتباعه يميز أهل الهدى من أهل الضلال ولم يزل صلى الله عليه وسلم مشمراً في ذات الله تعالى إلى أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فصلى الله عليه وآله كما وحد الله وعرف به ودعا مشمراً في ذات الله تعالى إلى أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فصلى الله عليه وآله كما وحد الله وعرف به ودعا إليه وهدى الناس إلى طريقه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد
أخي المسلم :
في يوم الأثنين في الثاني عشر من شهر ربيع الأول في السنة الحادية عشرة للهجرة وقف الصحابة أجمعون وقد عمتهم دموع الحزن وشملهم شعور الأسى وهم يودعون الصادق الأمين يودعون خير المرسلين وخاتم النبيين وسيد ولد آدم أجمعين .. في ذلك اليوم توفي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى الرفيق الأعلى والمكان الأسنى..
*قبيل الوفاة بأيام : أخي المسلم قبيل هذه البداية المؤلمة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد في جوف الليل واستغفر لهم ثم رجع إلى أهله فلما رجع ابتدأ وجعه من يومه ذلك
بداية وجع الموت : في بداية وجعه عليه الصلاة والسلام دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تقول وارأساه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا وا رأساه ياعائشة .
في بيت الصديقة: فلما اشتد به الوجع استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها فأذن له واجتمع عنده نساؤه لم يغادر منهن امرأة وأحطن به صلى الله عليه وسلم .
بشارة نبوية : وفي أثناء وجوده في بيت عائشة جاءت فاطمة رضي الله عنها تمشي لا تخطيء مشيتها مشية أبيها فقال: مرحباً بابنتي فأقعدها بجواره ثم سارها بشيء فبكت ثم سارها فضحكت فقالت عائشة رضي الله عنها – في معنى كلامها : خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بسر وأنت تبكين فلما قامت قلت أخبريني بما سارك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقـالـت : مـاكنت لأفشي سـر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفي عليه الصلاة و السلام قلت لها أسألك بما لي عليك من الحق إلا أخبرتني ، قالت فاطمة رضي الله عنها : أما الآن فنعم . قالت: سارني في الأولى قال لي : إن جبريل كان يعارضني القران كل سنة مرة وقد عارضني في هذا العام مرتين ولاأرى ذلك إلا لاقتراب أجلي فاتقي الله واصبري فتعم السلف أنا لك فبكيت ، ثم سارني فقال : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة فضحكت .
آخر عهد : ولما اشتد وجعه عليه الصلاة والسلام وشعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه قال : أهريقوا علي من سبع قرب لعلي أعهد إلى الناس ثم خرج إلى الناس فصلى بهم ثم جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ودعا لأهل أحد ثم قال : عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر رضي الله عنه إذ علم ما يقصد النبي صلى الله عليه وسلم وناداه قائلاً : فديناك بآبائنا وأمهاتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك يا أبا بكر أيها الناس إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام .. الحديث.
العجز عن الخروج : ولما انتهى عليه الصلاة والسلام من خطبته عاد إلى بيته وثقل عليه مرضه ولم يعد يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس فكان رضي الله عنه هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك وخرج النبي صلى الله عليه وسلم خلال ذلك مرة وقد شعر بخفة واستبشر الناس خيراً بخروجه إذ ذاك وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس .
شدة النزع : ودخل عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فمسه بيده وقال: يارسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً فقال عليه الصلاة والسلام :أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم . وفي أثناء ذلك كان صلى الله عليه وسلم يطرح غطاء له على وجهه فإذا اغتم وضايقه الألم كشفه عن وجهه فقال : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا .
نظرة وداع : وبينما الناس في المسجد يصلون خلف أبي بكر رضي الله عنه إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف وبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه فنظر إليهم وهم في صفوف وكان وجهه الشريف ورقة مصحف ثم تبسم يضحك ، فهم الصحابة أن يفتنوا من الفرح برؤية نبي الله صلى الله عليه وسلم فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة فأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر وانصرف الناس من صلاتهم وهم يحسبون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نشط من مرضه ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه .
إن للموت لسكرات : فقد عاد عليه الصلاة والسلام فاضطجع إلى حجر عائشة رضي الله عنها وأسندت رأسه إلى صدرها وجعلت تتغشاه سكرة الموت وكان بين يديه إناء فيه ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول : لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ، وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا رأت منه ذلك قالت : واكرب أبتاه فيقول لها عليه الصلاة والسلام ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم .
إلى الرفيق الأعلى : وأخذ صلى الله عليه وسلم يدخل يده في الماء ويمسح وجهه الشريف ويقول لا إله إلا الله إن للموت لسكرات . ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى ، في الرفيق الأعلى حتى قبض وفاضت روحه إلى بارئها وأسلم نفسه إلى خالقها عليه الصلاة والسلام .
وعم الحزن أنحاء المدينة : وساد الأسى قلوب الصحابة رضوان الله عليهم على فراق نبيهم وحبيبهم عليه الصلاة والسلام ، واشتد جزعهم لفراقه عليه الصلاة والسلام بل إن بعضهم أنكر وفاته عليه الصلاة والسلام حتى بين لهم ذلك أبوبكر رضي الله عنه فاستسلموا لأمر الله وأسلموا أنفسهم للبكاء .
بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفوا الرسوم وتمهـد
بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستفاد ويوقـــد
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمةً عشية علوه الثرى لا يوســد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
*وقيل في رثائه عليه الصلاة والسلام :
لما رأيت نبينـــا متجندلاً ضاقت علي بعرضهن الدور
وارتعت روعة مستهم والهٍ والعظم مني واهن مكسور
أعيتق ويحك إن حبك قد ثوى وبقيت منفرداً وأنت حسير
ياليتني من قبل مهلك صاحبي غيبت في جدث علي صخور
أخي المسلم : لقد توفي رسولك صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث وستين سنة من الدعوة في سبيل الله والنصح للأمة ورفع راية التوحيد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن عم النور والهدى والصلاح أرجاء الجزيرة العربية توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
تنبيهات: أخي المسلم .. توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك خيراً إلا دل أمته عليه ولا شراً إلا حذر أمته منه .
1- ومع هذا لم يحتفل بمولده عليه الصلاة والسلام مرة واحدة ولو كان خيراً لدلنا عليه أو أمرنا به بقوله عليه الصلاة والسلام .
2- كما أنه بعد ما توفي عليه الصلاة والسلام لم يحتفل بمولده صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وهم أشد الناس محبة له وأكثرهم اتباعاً لسنته .
3- ثم إن التابعين من بعدهم أيضاً لم يحتفلوا بمولده وهم خير الناس بعد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأكثر الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم واتباعاً له بعد الصحابة
4- كما أن القرون المفضلة التي امتدحها النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفلوا بمولده عليه الصلاة والسلام.
5- إن أول من فعل المولد الدولة الفاطمية – في القرن الرابع وهم بعيدون عن صدر الأسلام وقد فعلوا ذلك مشابهة بالنصارى في عيدهم واحتفالهم بمولد عيسى عليه السلام . كما يزعمون أنهم ينتسبون لفاطمة رضي الله عنها زوراً وبهتاناً ، وإلاّ فهم كما قال عنهم بعض العلماء ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض .