بسم الله الرحمن الرحيم
هل التكنولوجيا ضد الانسان ..... سؤال يطرحه الكثير
يقول بوديار نعم , وهو يصف أمريكا بأنها صحراء من اللامعنى , وهي صورة للمآل الذي سيؤول إليه الآخرون , وهو مآل غير مبهج وغير إنساني في عرف بوديار وغير أن كلنر يرد عليه واصفا إياه بالعدمية من جهة وبالمركزية من جهة ثانية , ويرى أن العصر التكنولوجي يحمل نشوته الخاصة في هذه العلاقة الجديدة بين الإنسان والآلة , وهي علاقة دخل فيها الإنسان إلى عالم الأسرار الكبرى , واتصل مع الأحداث وقت حصولها , مما يعني أننا لسنا في عصر تكنولوجي جديد فحسب , ولكننا أيضا في عصر ثقافي جديد ونحتاج معه إلى كشف الخطاب المعبرعن حال هذه المرحلة وشرطها الإنساني / التكنولوجي المزدوج , ولقد مر بنا أن كلنر يصف الخطاب السردي التكنولوجي بأنه هو خطاب المرحلة , ولا يراه يتعارض مع الشرط الإنساني , ولعل هذا هو ما جعله يتحفظ على إعلان النقلة إلى ما بعد الحداثة ومن التكنولوجيا , وكذا من ما بعد الحداثة , وكلها عنده ضرورية , وغير متعارضة , ومن ثم فإن البوتقة الثقافية الأمريكية , في رأي كلنر , هي خطاب في التعدد الثقافي , ولقد غاب عن ذهن بوديار أن يرى تعدديته بسبب المركزية الاوروبية التي أعشت عينيه عن رؤية الجديد غير الأوربي .
هذه محاولة لتفسير الحدث التكنولوجي يطرحها كلنر , لكن الموقف النقدي من الحداثة يتصاعد بما أن الحداثة خطاب مركزي مضاد للتعدد غير الأوروبي وللآخر الملون , وحمل وعودا بالمساواة والحرية لم تتحقق , ولعله من المفيد أن انقل هنا العرض الدقيق الذي قدمته بولين ماري روزينو عن حالة ذلك الإنكسار المعرفي الذي تسبب في التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة وهي تضعه في ستة أسباب كالتالي :
1- بدت العلوم الحديثة وكأنها عاجزة عن إحداث النتائج الدراماتيكية التي ظل العلماء المحدثون يعدون بها , وهذا ما أدى إلى تشكك المتحمسين لهذه العلوم , جرى ذلك على العلوم الإجتماعية وعلى العلوم التجريبية معا,وإن كانت العلوم الحديثة تعتمد على تصحيح أخطائها على المدى الطويل إلا أن أخطاءها الراهنة تبدو تراجيدية ومهلكة , وهذه حقيقة ماثلة , لقد ألهبو التوقعات ولكنهم لم يحققوا الوعود كما يقول روزينو .
2- بدأ الإنتباه يتركز على إساءة إستخدام العلوم الحديثة وعلى تسخير هذه العلوم , وبدا واضحا أن العلم الحديث منح نفسه حق ترشيح الأفضليات في بعض الحالات فأعلى من شأن القوة وبرر النماذج المعيارية , مع إنها مجرد تفضيلات وليست حقائق علمية , ولقد سيقت نتائج البحوث العلمية سوقا وجرى تسخيرها للبرهنة على وجاهة هذه التفضيلات التي لم تكن سوى تفضيلات ذاتية , حتى لقد جرى إتهام العلم الحديث بالتستر على أخطاء الحكومات الديموقراطية من جهة , والعمل على إطالة عمر الأنظمة الشمولية من جهة ثانية.
3- ظهر تناقض فاضح بين العلوم الحديثة وما يفترض أنها ستفعله وبين ما حققته فعليا وهذا ما جعل العلوم الحديثة وما يفترض أنها ستفعله وبين ما حققته فعليا وهذا ما حعل العلوم الحديثة تبدو أقل من المستوى الذي بشرت به .
4- أوقعت الحداثة نفسها في مأزق الإيمان المبني على أساس وهمي والذي يدعي أن العلم قادر على حل كل المشاكل وهذا فتح بابا عريضا للتحدي ظهر العلم الحديث فيه في حالة إخفاق واضح وعجز تام عن حل المعضلات العويصة التي ظهرت في القرن العشرين , وماذا بيد هذا العلم لمواجهة خطر القنبلة الذرية والأسلحة الجرثومية , وماذا سيقول عن الفقر والجوع والتفسخ البيئي وما تتعرض له الأرض من تدمير مشهود ...؟
5- لقد أظهر العلم الحديث إهتماما ضئيلا بالأبعاد الروحية والميتافيزيقية للوجود البشري , بل لقد أظهر هذه الأمور وكأنها أمور تافهة لا تستحق التامل .
6- لم يهتم العلم الحديث بالأهداف النموذجية أو الأخلاقية أو الغايات التي يفترض أن المعرفة والعلم وما إليهما تتجه نحوها أو سوف تتجه نحوها , إن الحقيقة التجريبية لا تتوافق مع الحقيقة التي لقنونا إياها في قاعات الدرس العلمي , ولم تعد الرؤية العلمية صالحة لممارسة الحياة أو إدارة المجتمعات - كما يقول هارمان- بقنوط واضح , وتجاوبا بذلك مع ما قاله ليوتار , ضد العلم الحديث الذي جعل الأشياء تبدو في حالة من الحسية الصارخة , وتناست الشاعري .
و الان ..هل التكنولوجيا نعمه ام نقمه يا ترى للانسان...
.................................................. ..............
مع يقديري