|
الإصلاح.. من وجهة نظر أمريكيّة
الإصلاح.. من وجهة نظر أمريكيّة
عبد الرحمن فرحانة 24/4/1426
01/06/2005
في إطار الإستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة تقع مصر في بؤرة دول المحور العربي الكبيرة المفترض تهميشها بأدوات ضغط "الإصلاح"؛ وهي إستراتيجية تعتمد الاهتمام والتركيز على الدول الصغيرة وإهمال الدول المحورية: مصر والسعودية وسوريا؛ باعتبارها محور القوة المتوقع والمرشح للوقوف سياسياً في وجه الجهود الأمريكية التي تستهدف تفكيك المنطقة، وإعادة صياغتها وفق الأجندة الأمريكية.
تعاني الساحة المصرية في الوقت الراهن من احتقان داخلي خطير؛ تقف على ضفافه أطراف داخلية وخارجية.
في الإطار الخارجي تقف الإدارة الأمريكية التي تطالب بإصلاحات داخلية تمس مصالح شبكة القوى القائمة حالياً في النظام السياسي المصري. وفي قلب دائرة هذه القوى الحزب الحاكم الذي يتضمن أصواتاً خافتة تدعو للتناغم مع متطلبات الإصلاح، وأخرى متنفذة بيدها السلطة ترى أن المعالجة الأمنية والمواجهة هي الحل المفضل؛ لأنه وفق حساباتها ستكون الاستجابة مقدمة لانهيارات في البنية الحالية للنظام السياسي القائم من الصعب إيقافها مستقبلاً.
اللافت في هذا السياق الحركة الفجة للسفير الأمريكي الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة؛ ويجوب المحافظات شمالاً وجنوباً دونما رادع؛ بل يدخل المجلس النيابي المصري ويتكلم بغطرسة عن نية أمريكا إصلاح الشأن الداخلي المصري.
في سياق متصل يُشار إلى أن لدى الإدارة الأمريكية مشروعاً جديداً كأداة لتحقيق الإصلاح وفق الرغبة الأمريكية طبعاً؛ وهو تحت عنوان "الدبلوماسية الشعبية"؛ إذ من خطط هذا المشروع تحويل السفارة الأمريكية في القاهرة وغيرها من العواصم العربية المستهدفة إلى سفارة شعبية؛ تفتح أبوابها لقوى المجتمع، وتتيح للدبلوماسيين الأمريكان الاتصال المباشر مع الجماهير عبر أعضاء الجمعيات الأهلية، والشخصيات الأكاديمية، ورؤساء الأحزاب والنقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. ويقتضي المشروع أيضاً إنشاء قسم بالسفارة لتلقي الشكاوى حتى على المسؤولين في الدولة المستهدفة؛ على أن يقوم الدبلوماسيون الأمريكان بإيصالها للمعنيين ومناقشتهم حولها. ويتضمن المشروع كذلك تدشين ما يسمى "المجموعة المتحدة" ؛ وهي وحدة مكونة من مجموعة من المختصين في وضع السياسات والإستراتيجيات المناسبة لكل بلد حسب خصوصيّته؛ ولعل الإعلان الأخير للرئيس بوش حول إنشاء مجموعة الردّ السريع المختصة بالتدخل في الدول التي تعاني من أوضاع داخلية هشّة يأتي في هذا السياق.
في الاحتقان الداخلي؛ يأتي الإخوان كأكبر القوى السياسة التي تقف على ضفافه؛ ومن اللافت أنهم قاموا بحراك سياسي ربما لم تشهده الحركة الإسلامية في مصر منذ بدايات النشأة. ولعل الإخوان يستهدفون من هذا الحراك استثمار اللحظة الراهنة باعتبار أن النظام المصري يمر بأضعف حالاته. وفي أجندتهم المعلنة المطالب المتعلقة بتعديل قانون انتخاب الرئيس وإلغاء قانون الطوارئ، وإطلاق الحريات العامة، والسماح لهم بإنشاء حزب سياسي مدني ذي مرجعية إسلامية. ويحسب للإخوان في مصر موقفهم من الدعوات الأمريكية وعلى رأسها تصريحات رايس؛ ذلك أنهم رفضوا الضغوطات والتدخلات الخارجية في الشأن المصري الداخلي؛ كما أنهم يرفضون -كما تشير بعض المصادر- أي صفقات مع النظام تخص الأجندة الإخوانية مصممين على التوافق على أساس الأجندة الوطنية الشاملة.
ويلمس المراقب نشاطاً لافتاً لحركة كفاية؛ وهي حركة شعبية تُقاد بمجموعة من رموز القوى السياسية المصرية المعارضة. وعلى الرغم من أن المظاهرات التي تقوم بها هذه الحركة تتسم بقلة عدد المتظاهرين إلا أنها تشكل إزعاجاً بالغاً للأجهزة الأمنية؛ نظراً لاستمراريتها وتوزِّعها على المحافظات؛ والأهم من ذلك أنها تشكل عامل ضغط على الحكومة؛ باعتبارها حركة شعبية تضم معظم ألوان الطيف السياسي بمصر.
وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية الأمريكية فقد تدهورت هذه العلاقات خلال الأشهر الماضية، ووصلت وتيرة التدهور حد مطالبة صحيفة (الواشنطن بوست) في افتتاحيتها في مارس الماضي الرئيس بوش بالتدخل المباشر لمنع التجديد لحكم مبارك الدكتاتوري- بحسب وصفها- لكن الموقف الأمريكي تحسّن نسبياً على إثر زيارة مدير المخابرات عمر سليمان لأمريكا في إبريل الماضي؛ الذي قدم لواشنطن مستعلماً عن حقيقة نوايا أمريكا من الحوار مع الإسلاميين؛ وفي ذات الوقت موضحاً موقف ورؤية مصر تجاه هذه القوى الإسلامية.
في هذا السياق كذلك تأتي زيارة رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف الأخيرة لواشنطن في الشهر الجاري، والتي تضمنت أجندتها: تفعيل العلاقات الثنائية، وإقناع الإدارة الأمريكية بضرورة الموافقة للتمديد لمبارك؛ في إطار دور مصري يتعلق بقيادة الإصلاح بالمنطقة وفق الرؤية الأمريكية؛ وبتفهم لرؤية القاهرة لنموذج ديموقراطي من طراز مصري "بطيء" ومستقر، وتأكيد الموقف المصري من الحوار مع الإخوان الذي لخّصه "نظيف" في قوله لصحيفة (اليو. إس. تودي) قائلاً: "جميع القضايا (مع واشنطن) محل نقاش عدا قانونية حزب الإخوان المسلمين". وفي الأجندة أيضاً مناقشة مسألة المراقبين الأجانب للانتخابات الرئاسية المصرية، وأمور تتعلق بإبرام اتفاقية للتجارة الحرة مع أمريكا.
تشير المصادر الأمريكية أن "نظيف" نجح في إقناع بوش باستمرار مبارك في الحكم؛ مع اشتراطات لتحوّل ديموقراطي تدريجي تم التوافق على بعض تفصيلاته. وتضيف المصادر ذاتها مُنجَزاً لـِ "نظيف" يتعلق بنجاحه بتخويف الأمريكان من الإخوان؛ وبأن النظام المصري -بشكله الراهن- مع بعض التحسينات أفضل للمصالح الأمريكية من الإسلاميين.
إن صحت هذه الاستنتاجات حول زيارة "نظيف"؛ فهذا يعني -كما يرى بعض المراقبين- أن هنالك خطأ في حسابات الإخوان فيما يتعلق بجولة التصعيد الأخيرة؛ خاصة أن النظام تحوّل إلى العنف أكثر في مواجهة التظاهرات الأخيرة؛ حينما أحس بتحولات أمريكية إيجابية تجاهه.
ومع ذلك الاختراق الذي حققه "نظيف" فإنه يبقى نسبياً ومؤقتاً؛ لأن هناك اشتراطات تلزم القاهرة؛ وعلى ضوئها يتأسس الموقف الأمريكي المستقبلي.
ولكن المسكوت عنه -وهو الأخطر ولم ترشح معلومات حوله - وهو: ما الدور المصري المقبل المطلوب تجاه الملف الفلسطيني؟ وهل يدخل شيءٌ من مفرداته ضمن الصفقة التي أبرمها "نظيف" مع الإدارة الأمريكية؟
|