|
أمريكا تخسر كلّ شيء في العراق!
أمريكا تخسر كلّ شيء في العراق!
الرباط / إدريس الكنبوري 25/4/1426
02/06/2005
في أسبوعية(لانتيليجان) الفرنسية في العدد الأخير (15 ـ 21 مايو الجاري) ينتقد الكاتب الفرنسي المعروف (باتريك سيل) السياسة الأمريكية في العراق ويرى أن إدارة (جورج بوش) تواجه "كارثة إستراتيجية" حقيقية هناك. ويقول: إن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت الكثير من مصداقيتها في الشارع العربي، وبالطبع في الشارع العراقي، وإذا أرادت أن تستعيد جزءاً من هذه المصداقية فعليها أن تبدأ بتغيير سياستها في العراق واتجاه العالم العربي، داعياً إياها إلى الإسراع في الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، لكنه يرى أن مثل هذا الاعتراف ـ الذي يقول بأنه هو الحل الوحيد أمام الإدارة الأمريكية ـ يشكل النقيض التام لأفكار المحافظين الجدد الذين يرفضون أصلاً دولة فلسطينية، وهذا هو مأزق واشنطن الحالي.
البحث عن سوريا
يبدأ (باتريك سيل) مقاله بالحملة العسكرية الواسعة التي شنتها القوات الأمريكية في العراق يوم 7 مايو الحالي في محافظة الأنبار على الحدود مع سوريا، حيث كانت تلك الحملة التي شاركت فيها المروحيات الأمريكية والقناصة إلى جانب القوات البرية الأمريكية "الأكثر ضخامة منذ عدّة أشهر، لكن لا يوجد أي إحصاء حتى الآن لعدد القتلى من المدنيين"، ويضيف الكاتب "لقد لقيت مدينة العبيدي وعدد من المدن الواقعة قرب نهر الفرات نفس المصير الذي لقيته مدينة الفلوجة: قصف جوي وقذائف مدفعية على أحياء سكنية، متبوعاً بتمشيط منهجي بيتاً بيتاً لإخراج من تدعوهم القوات الأمريكية بالمتمردين من بين الأنقاض. والتبرير الظاهري للعملية هو أن مقاتلين أجانب بأسلحتهم وأموالهم ومتفجراتهم يستمرون في التسلل عبر هذا "المعبر" الذي تشكله الحدود السورية، وبعبارة أخرى، إن سوريا تشكل(القاعدة الخلفية) للمتمرّدين"، لكن المشكلة هي أن هذا التبرير لا أساس له؛ فسوريا التي ظلت تعيش تحت الضغوط الأمريكية قد انتهت إلى إغلاق حدودها مع العراق".
تكاليف باهظة بدون مخرج
ويتابع الكاتب في مقاله:" إن الاستنتاج الذي يخلص إليه جل الخبراء العسكريين، سواء أكانوا أمريكيين أو أوروبيين أو إسرائيليين، هو أن الانتصار العسكري الأمريكي السريع في العراق أمر غير وارد، وذكر مصدر بريطاني مطلع أن الأمريكيين يحتاجون إلى خمس سنوات كي يتمكنوا من تكوين جيش عراقي قادر على القضاء على المقاومة، بل إن الرئيس السابق للموساد الإسرائيلي (أفرايم هاليفي) قال: إن على الأمريكيين أن يبقوا على قواتهم في العراق والمنطقة لمدة عشر سنوات". لكن كم من الوقت يستطيع الرأي العام الأمريكي أن يتحمّل عبئاً كهذا؟ فالحرب باهظة التكاليف، ومع مرور الوقت يقل المؤيدون لها؛ إذ إن الخسائر العسكرية في الجانب الأمريكي قد جاوزت (1700) قتيلاً، و عشرة أضعاف ذلك من الجرحى، كما أن الكونغرس الأمريكي قد أضاف إلى الميزانية المقررة (82) مليار دولار، مما يرفع تكلفة الحرب في العراق إلى (250) مليار دولار، لكن بالرغم من هذه التكلفة الضخمة فإن المخرج من المغامرة العراقية لم يظهر حتى الآن، والبديلان الاثنان، أي البقاء في العراق على أمل إحراز نصر، أو التقليص من الخسائر والمغادرة، يطرحان مخاطر كبيرة، لكن في هذا الوقت يتعرض التحالف الذي بنته واشنطن للتفتّت؛ إذ إن الإيطاليين والبلغاريين سوف يسحبون قواتهم خلال الشهور القادمة، وسوف يتبعهم من -دون شك- اليابانيون والبريطانيون في العام القادم، فخلال الانتخابات التي جرت يوم 5 مايو الحالي عبّر الناخبون البريطانيون لرئيس الوزراء (طوني بلير) صراحة بأنهم يعارضون الحرب، وأنه من الأفضل أن يعود الجنود البريطانيون سريعاً".
كارثة إستراتيجة
ويقول الكاتب: إن واشنطن توجد أمام كارثة حقيقية: "إنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بعيدة عن احتمال مواجهة كارثة استراتيجية حقيقية، فالوضع أصبح فوق احتمال القوات العسكرية هناك، والتطوّع للحرب يجفّ، ومخزون الأسلحة والعتاد الحربي ينتهي بالتدريج، بما في ذلك الذخائر الموجهة بدقة عن بعد، و (140) ألف عسكري يوجدون هناك لم يعودوا قادرين على ضمان الأمن، وبالرغم من ذلك فإن عدداً كبيراً من المسؤولين الأمريكيين يظلون مقتنعين بأن أمريكا يمكنها أن تشن حرباً أخرى في مكان آخر إذا دعت الحاجة! وفوق كل شيء هناك مسألة حيوية جداً، وهي مصداقية الولايات المتحدة، ومن هذه الزاوية سوف يُضاف تدمير العراق ـ البلد الذي لم يكن يشكّل أي خطر عليها ـ إلى الفضائح التي ظهرت في غوانتانامو وأبو غريب ليمثل إدانة لسياستها. إن الحل الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة لإصلاح ما فات واستعادة مصداقيتها هو إرغام إسرائيل على السماح بإنشاء دولة فلسطينية حقيقية ومستقلة في قطاع غزة والضفة الغربية. لقد أعلن (جورج بوش) مرات عدة، وكرر الإعلان بأنه يؤيد دولة فلسطينية، ولكن حتى وقتنا الحاضر لا يزال يتصرف مثل كلب صغير يتبع ظل شارون أكثر من كونه رئيس أكبر قوة في العالم. غير أن المفارقة هي أنه إذا حاول (بوش) أن يمارس نوعاً من الضغط على إسرائيل فإن النتيجة ستكون بالتأكيد على النقيض مما خطط له المحافظون الجدد الموالون لإسرائيل عندما كانوا يدعون إلى شن الحرب على العراق؛ فهم لا يعارضون فقط إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، بل يحلمون بأن تهيمن إسرائيل بشكل مطلق على العالم العربي المهزوم، وتفرض شروطها على الفلسطينيين الضعفاء. والمفارقة الثانية التي نتجت عن الحروب الأمريكية هي أن الولايات المتحدة عندما حاربت حركة طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق فقد قدّمت خدمة لا تقدر بثمن للنظام في إيران، فسواء أرادوا ذلك أم لا فقد أوجدوا حكومة عراقية ذات أغلبية شيعية".
مقاومة قوية
ويتحول الكاتب الفرنسي (باتريك سيل) إلى الجانب الآخر في المعادلة العراقية ليتحدث عن المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي قائلاً:" من جانبها، لا تبدي المقاومة العراقية أي إشارة تؤكد أنها ضعيفة، ويبدو أنها تتوفر على مخزون لا ينضب من المقاتلين والمستعدين لتفجير أنفسهم؛ فكلما ظهرت القوات الأمريكية كان الاستهداف سريعاً، وفي جميع مناطق البلاد تبدو الأوضاع غير آمنة، والتفجيرات والمواجهات المسلحة أصبحت حالة يومية مستمرة؛ إذ قتل نحو (400) شخص على الأقل في الأيام الخمسة عشر الأخيرة، وهذا الرقم تقديري فقط؛ لأن لا أحد لديه الوقت لعدّ القتلى، وخطوط الأنابيب مستهدفة باستمرار بشكل يقضي على آمال وزير النفط الجديد إبراهيم بحر العلوم بالعودة إلى معدل الإنتاج النفطي لما قبل الحرب".
ويختم الكاتب مقاله بالقول: "الحقيقة الماثلة هي أن التدخل الأمريكي في العراق قد أثار مخاطر المواجهات الدينية والعرقية ومهّد السبيل لحرب أهلية، البعض يقول: إنها بدأت أصلاً، أو لتجزئة العراق، أما فكرة عراق ديمقراطي موحد وقوي وقادر على لعب دور في المنطقة، وأن يصبح نموذجاً للآخرين فقد أصبحت مجرّد وهم".
|