العدل............................................. .........................
إن العدل معيار مطلق لإدارة العلاقات الإنسانية فى حين أن الديمقراطية آلية يتخذ بها القرار. وتحقيق الأول فى بنيان الأخيرة يعد تحديًا بالنسبة لأى مجتمع. وقد حققت المجتمعات الغربية فى العصر الحديث نجاحًا أكبر مما حققت المجتمعات الإسلامية فى تحقيق درجة من العدل الداخلى فى إطار آلية ديمقراطية. والقول بأن هذا مرجعه أن الإسلام غير عادل فى جوهره أو غير ديمقراطى يعد قولاً مغلوطًا. ونرى من جانبنا أن الإسلام يواجه تحديين خاصين أولهما أن مفهوم الديمقراطية وإن راق للمسلمين فإنه مصطلح مثير للجدل وله تعريفات متضاربة ولا عهد للعالم الإسلامى بفروقه الدقيقة أو بتطبيقه بدرجة كافية. وقد نقارن الاضطرابات التى شهدتها بريطانيا طوال القرون التى استغرقها تأسيس ديمقراطيتها بالتطورات الصعبة والأليمة التى عانتها إيران فى إنشاء جمهوريتها الإسلامية. وقد نشبه المصاعب التى مر بها الأمريكيون فى انتقالهم من إعلان الاستقلال إلى الدستور بالمشكلات الدستورية التى تواجه العراق اليوم.
والثانى أن المسلمين يؤثرون اتخاذ موقف شخصى لا مشترك فى القضايا الاجتماعية. وعلى الرغم مما لهذا الموقف من أفضلية على التوجه الغربى فقد ترتبت عليه نتيجة غير مرغوبة هى أن المسلمين لم يوجهوا اهتمامًا كافيًا لقضايا الحكم المؤسسى السليم. والدولة هى المؤسسة المشتركة الحديثة الحقيقية الوحيدة فى العالم الإسلامى ولكن بما أنها غير مقيدة بنظام مؤسسى سليم فقد خلت من العدالة والديمقراطية. ونرى من جانبنا أننا لو نظرنا إلى الشريعة كما ينظر فقهاء الغرب للقانون الطبيعى فمن الممكن للمشرعين المسلمين أن يقبلوا بدور رسمى للعمليات الديمقراطية وبشكل يتناسب مع المفهوم الأصلى للشريعة. وأخيرًا سنبين كيف يمكن لهذه العمليات الديمقراطية أن تحمى ولا تهدد مركزية المصادر التقليدية للتشريع الإسلامى وتساعد على حل مشكلة جمود الفقه الإسلامى فى العصر الحديث.
ولما كان الفقه مجرد محاولة بشرية لتنظيم القانون الإلهى فإن اختلاف التفسير فى صوغ القانون أمر محتوم. ومع ذلك فأحكام الإسلام تتطلب مسؤولية فردية من جانب كل عبد من عباد الله تجاه خالقه. لذا فلابد للحكم السليم أن يتضمن الشورى والإجماع وفى الوقت نفسه أن يحترم العدالة كوسيلة وهدف على السواء.