الاحتلال الأمريكي.. تعثر وتراجع متواصل
ياسر الزعاترة
16/1/1425
07/03/2004
من الواضح أن مسيرة الاحتلال الأمريكي للعراق كما رسمها صقور الإدارة وصهاينتها لازالت تتعثر، ليس على صعيد ما بعده، وتحديدًا قضية "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" التي داعبت مخيلة شارون، وإنما قبل ذلك أيضًا، أي تثبيت أقدام الاحتلال ورسم صورة لعراق تابع وأقله منسجم مع المصالح الأمريكية.
لرصد حجم التعثر في لعبة إدارة الاحتلال للعراق ومحاولات تثبيت أقدامه، لا بد من العودة إلى البدايات حين كان هدف الاحتلال هو إنشاء ما يمكن وصفه بحكومة انتداب على العراق، ليست مفروضة بسطوة القوة؛ بل بلغة الحب والصداقة، نظرًا لامتنان العراقيين للسيد الأمريكي الذي خلصهم من دكتاتوريه الطاغية!!
فوجئ المحتلون بأن وردًا لم يكن في استقبالهم، بل رصاصًا ومظاهرات وعمائم ولحى لا تردد آيات الامتنان للاحتلال؛ بل تملي عليه مطالبها كما لو أنه لم يخلصها من طاغية ولم يفكّ أيديها من الأغلال. والخلاصة هي مقاومة عسكرية وسياسية لم يقلل من شأنها عثور الاحتلال على جحافل من المتعاونين، سواء كان حبًّا وغرامًا أم بحثًا عن مكاسب مادية أومعنوية.
انتهت صيغة الانتداب وحلت مكانها صيغة مجلس الحكم المشكل من قوى سياسية لها حضورها في الساحة، وإن تفوّقت أخرى قد تملك حضورًا وقد لا تملك، إذ يكفيها ما تملكه من رصيد معقول في التعاون مع المحتلين قبل وبعد الاحتلال.
من المؤكد أن غالبية أمريكية قد توفرت في مجلس الحكم، لكن ذلك لم يكن كل شيء، ذلك أن أعضاء المجلس لم يكن أمامهم سوى التعبير عن هواجس طوائفهم بأشكال شتى، ولم يجد من لا يملكون رصيدًا شعبيًّا منهم سوى مغازلة الشارع من خلال التدثر بعباءة الرموز الدينية وقبول آرائها، كما حصل مع الأعضاء الشيعة في المجلس عندما تجاوبوا مع دعوات السيد السيستاني.
وبذلك يمكن القول إن المجلس -على هزاله وتبعية أكثر رموزه للاحتلال- لم يعد أداة طيعة يحركها الحاكم الأمريكي "بول بريمر" كما يشاء. ولعل قصة رفضه (أي المجلس) لمشاركة القوات التركية في حفظ الأمن واستجابة قادة الاحتلال إنما تشكل دلالة على ذلك.
واصل الشارع السياسي من خلال العمل السلمي -وقبل ذلك وهو الأهم- بقوة مقاومته المسلحة ضغطه على أعصاب المحتلين؛ فما كان منهم سوى الخروج بقصة نقل السيادة للعراقيين، والتي تقوم على محاولة إيجاد صيغة أكثر شمولاً وقوة من مجلس الحكم، تقوم على توسيعه من خلال ما يسمى "المؤتمرات الانتخابية" التي تتشكل في المحافظات، وكان الهدف هو الوصول إلى ما يشبه "اللوياجيركا" الأفغانية، ولتنبثق عنها حكومة انتقالية تمنح قوات الاحتلال رخصة شرعية بوصفها قوات صديقة تتواجد في البلاد بطلب من أهلها، فضلاً عن إخراج تلك القوات من المدن وإحلال الشرطة والجيش العراقي مكانها، طمعًا في وقف النزيف اليومي في صفوف تلك القوات.
هنا جاء اعتراض المرجع الشيعي آية الله السيستاني ليدق "أسفينًا" في قلب الاتفاق، ما جعل رموز الشيعة في المجلس يتراجعون عن موافقتهم، بل ترحيبهم، بالاتفاق على نحو يثير السخرية، وليبدؤوا حملة دفاع وترويج لدعوة الانتخابات.
هنا دخلت خطة الاحتلال لنقل السيادة في مأزق حقيقي، وقبلها كان التحالف الشيعي الكردي يدخل في أزمة بعد طرح مسألة الفيدرالية بصيغتها العرقية، وفيما كانت واشنطن تؤيد المشروع كما يريده طالباني وبرزاني لم تجد سوى التراجع أمام الرفض الشيعي السني التركماني (التركي طبعًا) للمشروع، الأمر الذي أصاب الأكراد بالخيبة، والاحتلال بنكسة جديدة تؤكد استمرار نهجه في التراجع تلو التراجع.
وافق بريمر على اقتراح السيستاني بتوسيط الأمم المتحدة في النزاع حول الانتخابات، وفيما جاء تقرير الأمم المتحدة ليؤكد صعوبة إجراء تلك الانتخابات قبل نهاية العام الحالي، كان موضوع الدستور الانتقالي أو المؤقت يدخل في مأزق، أكان بسبب الفيدرالية، أم اللغة الرسمية، أم بسبب موضوع الإسلام ووجوده في الدستور؟ حيث رفض (بريمر) النص على أن الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع، مطالبًا بأن يكون مجرد مصدر من المصادر، وهدد باستخدام حقه في النقض إذا ما اتخذ قرار كهذا، لكن النص الذي اتفق عليه كان نوعًا من التوفيق، فقد ذكر أن الإسلام هو مصدر من مصادر التشريع، مع إضافة تقول إنه لن يكون هناك قانون يخالف الإسلام.
مرة أخرى يدخل مسار نقل السلطة في مأزق، فالانتخابات الشاملة لن تتم، لكن الصيغة الأخرى (المؤتمرات الانتخابية) صعبة؛ أما المطلوب فهو توسيع مجلس الحكم على نحو يشكل حكومة طيعة تمدد للاحتلال. لكن ذلك لا يبدو مؤكدًا، فصيغة التمديد المأمولة قد تكون صعبة، وكما وقع مجلس الحكم تحت ضغط الشارع، سيقع المجلس الجديد والحكومة الجديدة تحت ذات الضغط. أما الإشكال فهو مطالبة الشيعة بانتخابات جزئية، أو استبداله بأغلبية في المجلس الجديد وفي الحكومة كما هو الحال في مجلس الحكم، وذلك مقابل منح الاحتلال رخصته الشرعية. وإذا حصل ذلك؛ فسيكون العرب السنة في وضع لا يسمح لأي طرف فيهم بالتعاون مع الاحتلال إذا أراد الإبقاء على شيء من المصداقية، ما يعني أن خيار المقاومة سيغدو محسومًا أكثر من ذي قبل، فيما سيكون موقف الشيعة محرجًا، وقد يدفع قوى من بينهم إلى رفض "شرعنة" الاحتلال.
في ضوء ذلك يبدو مأزق الاحتلال على حاله، وسياسة التراجع هي الحاكمة لسلوكه السياسي، فيما القمع والمزيد من القمع هو الحاكم لسلوكه الأمني، حيث تجاوز عدد المعتقلين رقم الثلاثين ألفًا حسب مصادر عديدة في مناطق السنة، كما تجاوز القمع والتدمير حدود ما يعرفه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة. وإذا أضيف إلى ذلك كله التعثر في إصلاح البنية التحتية واستمرار مطاردة العرب السنة في الوظائف لصالح الشيعة والأكراد ومطاردة العلماء، إلى غير ذلك من مظاهر الارتباك والرعونة والفشل؛ فإن الاحتلال لا يبدو في وارد الاستقرار في المستقبل القريب، الأمر الذي سيعزز نزيفه المالي والبشري، كما يؤكد حقيقة أن العراق لن يخضع للاحتلال بأية حال من الأحوال.
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط