هل بالفعل زادت 'نسبة الموت فجأة' وهل هناك نسبة عالية من الوفاة تحدث بهذا الشكل؟ تقول الأرقام: إن الإجابة: نعم هناك أرقام عالية من الموت فجأة... إنه مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر 'أن من أمارات الساعة كثرة موت الفجأة'.
إذًا كيف نستعد لهذا الزائر المفاجئ؟ وما هو الاستعداد المطلوب؟ وهل الناس اتعظت من تلك الأرقام؟
إن الذي يتابع أوضاع الناس اليوم يلحظ انصرافًا وإعراضًا وانشغالاً بدوامة الحياة .. هذه الدوامة المخيفة لفت الكثير من البشر، ولم تمنحهم وقتًا للتفكير إلى أن يسقط أحدهم ميتًا.
وكثيرًا ما يفاجئك اتصال أو رسالة في جوالك أن فلانًا مات وهو في كامل صحته وعافيته، وفي هذا التحقيق سنستعرض موت الفجأة, نلتقي علماء ودعاة وأطباء ومغسلي أموات علنا نذكر بهذا الزائر المفاجئ .. ولعل الناس يتعظون..
صور موت الفجأة:
في بادئ الأمر ذكر فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين بأنه ورد في بعض الآثار أن في آخر الزمان يكثر موت الفجأة، وأن له صورًا كثيرة، فمنها ما يسمى بالسكتة القلبية، بأن تتوقف حركة القلب، ويحصل بعدها الموت في تلك اللحظة، ولا يتمكن الأهالي من العلاج ولا من استدعاء الأطباء، لحصول تلك السكتة بغتة بدون مقدمات آلام أو أمراض، ومن صورها الغشية والإغماء الذي يحصل بعده خروج الروح، ولا تكون هناك مقدمات ولا علامات قبل هذه الغيبوبة، فتحصل الوفاة في تلك اللحظة، ومن الصور ما تكاثر من الحوادث المرورية للسيارات، والتي يحصل بسببها موت العديد من الأفراد والجماعات، وذلك بسبب تهور بعض السائقين وركوبهم الأخطار، وعرضهم لأسباب الحوادث، فتارة بالسرعة الجنونية، التي يكون من آثارها حوادث الانقلاب والاصطدام، وينتج عن ذلك زهوق أرواح في تلك اللحظة، أو الموت دماغيًا، زيادة على الخسائر الفادحة بالجراحات وإتلاف السيارات وما أشبهها، وأحيانًا يكون بسب غلبة النوم والنعاس على قائد السيارة، ومن صور موت الفجأة ما يحصل بالقتال مع اللصوص والصائلين وقطاع الطرق، الذين يعرضون للناس، ومعم أسلحة فتاكة، ويطلبون منهم أخذ ما معهم من الأموال أو فعل الفاحشة بالنساء والصبيان، وإذا حصلت مقاومة كان هناك قتل وإطلاق للنار، وسفك للدماء وذلك من أسباب موت الفجأة.
أحكام شرعية:
ثم أورد فضيلة الشيخ ابن جبرين بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بموت الفجأة حيث قال فضيلته: إذا مات الإنسان فجأة لا يجوز تجهيزه حتى يتحقق موته ويعلن خروج روحه، وعلامات ذلك انخساف صدغيه وميل أنفه، وغيبوبة سواد عينه في البالغين، وانفصال كفيه بأن تسترخي عصبة اليد وتنخلع الكف من الذراع وتبقى كأنها من فصلة في جلدتها عن عظم الزند وكذا استرخاء رجليه ولينها واسترسالها بعد خروج الروح، وكذا امتداد جلدة وجهه، وأوضح علامات الموت تغير رائحته، ولا ريب أن هذه العلامات دالة على موته يقينًا، وسبب تأخير تجهيزه إذا مات فجأة مخافة أن يكون عرضت له سكتة قلبية، وقد يفيء بعد يوم أو يومين، كما حصل ذلك كثيرًا وقد يعرف الموت الحقيقي بهذه العلامات وغيرها.
هل موت الفجأة خير للمؤمن؟
وعندما سألنا الشيخ ابن جبرين عن موت الفجأة هل هو خير للمؤمن أم شر عليه قال فضيلته: فقد روي عن الإمام أحمد قال: 'أكره موت الفوات' وسبب الكراهية لما فيه من خوف حرمان الوصية، وفوات الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وذلك لأن الإنسان في صحته يأمل حياة طويلة، ويتهاون بكتابة الوصية وما له وما عليه من أن ذلك مندوب مؤكد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [[ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده]]، ولكن كثيرًا من الناس يتهاون بما له وما عليه، فيأتيه الموت فجأة قبل أن يتمكن من كتابة وصيته فتضيع الحقوق التي له والتي عليه، ومع ذلك فقد روي عن عائشة وابن مسعود: [[موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر]]، ولعل ذلك أن المرض والألم الطويل تستثقله النفس، ويعتريها الضجر والألم وعدم التحمل، حتى يتمنى الموت للتخلص من ذلك الألم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [[لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد قائلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي]], كما أن على المؤمن أن يحتسب تلك الآلام والأمراض خيرًا وأجرًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [[ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من سيئاته]]، ولكن ذلك مشروط بالصبر وعدم الجزع وعدم التشكي إلى الناس، وقد ذكر بعض العلماء أن إبراهيم الخليل وجماعة من الأنبياء عليهم السلام ماتوا فجأة، وهو موت الصالحين، وهو تخفيف على المؤمنين، ولطف ورفق بأهل الاستعداد للموت، وغضب على من له تعلقات يحتاج إلى الوصية والتوبة، وفي الخبر: [[المحروم من حرم الوصية]] وينبغي لأولاد من مات فجأة أن يستدرك لأبيه من أعمال البر ما يمكنه مما يقبل النيابة، كوفاء الديون وإبراء الذمة من الحقوق، وكثرة الصدقات والتبرعات ، وإخراج الزكوات، وأداء الحج والعمرة فريضة أو تطوعًا.
أمارات الساعة:
وأضاف فضيلته قائلاً: بأنه يكثر في آخر الزمان موت الفجأة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من أمارات الساعة أن يكثر موت الفجأة، ذكره في مجمع الزوائد عن الطبراني في الصغير والأوسط، وحسنه الألباني، وعزاه للطبراني والضياء المقدسي كما في صحيح الجامع الصغير، وهذا أمر مشاهد في هذا الزمان حيث كثر في الناس موت الفجأة، فترى الرجل صحيحًا معافى ثم يموت فجأة، وخصوصًا بحوادث السيارات والأدوات الكهربائية والماكينات، وغيرها من الأسباب.
الاستعداد للموت:
وختم فضيلته مشاركته بالتأكية على ضرورة مسارعة كل مسلم للعمل الصالح وقال: إن الذي يجب فعله ليستعد الإنسان للموت فإن عليه أولاً أداء الواجبات، والإكثار من المستحبات وترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات،، وبذلك فسر قول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ}، وثانيًا: ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل بعد قوله: [[إذا دخل المؤمن القبر انفسح وانشرح]] وقيل وما علامة ذلك قال: [[العمل لدار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله]] أو كما قال. وقد كان كثير من السلف رحمهم اله دائمًا على أهبة الرحيل، بحيث لو قيل لأحدهم إنك ستموت في هذا الشهر لم يكن هناك ما يزيد به في العمل، حيث إنه مستغرق أوقاته في الأعمال الصالحة، وفاطمًا نفسه عن الآثام والمحرمات، وثالثاً: إكثار ذكر الموت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [[أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت فإنه ما ذكر في قليل إلا كثره ولا في كثير إلا قلله]]، مع أن الجميع من البشر يستيقنون بأنهم سوف يأتيهم الموت، ويرحلون عن هذه الحياة، ولكن إقبالهم على الدنيا وانكبابهم على الشهوات والملذات منعهم من الاستعداد للموت، كما قال تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر:3]، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط، وخط خطوطًا عن يمينه وعن يساره وخط خطًا خارجًا عنه ثم قال: [[هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به وهذا عمله وهذه الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا]] أخبر بأن هذا الخط البعيد هو الأمل وأن على الإنسان أن يقصر أمله، ولا يمد بصره إلى أهل الدنيا وملذاتها وشهواتها، كما قال الله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طـه:131]، فمن كان كذلك فإنه مطمئن في هذه الحياة ويكون مستعدًا للوفاء، غير خائف من فجأة الأجل لأنه دائمًا على أهبة الرحيل.
أسباب موت الفجأة:
ومن جانبه أكد فضيلة الشيح الدكتور صالح بن غانم السدلان ـ أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ بأن صور موت الفجأة تختلف بحسب الحالات التي هو عليها، فقد يكون يعمل عملاً مضنيًا شديدًا ويؤدي هذا إلى نوع من الإرهاق وبالتالي تتسارع ضربات القلب فيحصل الموت مثلاً بسبب تعطل الأجهزة العاملة في الجسد مثل الكلى والقلب والرئة وغير ذلك مما هو سبب في بقاء الحياة، فحصل موت الفجأة، والثاني أن يحصل موت الفجأة جراء سقوط شيء على الإنسان كضربة بمثقل أو سقوط شيء ثقيل عليه كحائط أو غيره، والثالث حوادث السيارات بينما الإنسان يمشي بسرعة شديدة ويؤمل الحياة الطويلة وإذا بعجلة السيارة تنفجر وتنقلب السيارة عدة مرات فيحصل له الموت المفاجئ الذي لم يستعد له، ومن أسباب ذلك أيضًا الغصة بلقمة أو مثلاً دخول الماء إلى الأنف، وتسكيره مجال الهواء أو غير ذلك فهذه كلها صور وأسباب لموت الفجأة وهي غير داخلة تحت الحصر لأنه تختلف أسبابها حسب الأحوال.
وأضاف بأنه على الإنسان أن يدعو ربه لأن لا يصاب بموت الفجأة؛ لأن في ذلك موت للإنسان على غير استعداد، فأفضل حالات الموت هي أن يمرض الإنسان مرضًا لا يشغله عن طاعة الله وعن واجباته الدينية والدنيوية، ويتصور ويحس بقرب الأجل ويستعد كذلك بوصية ونصيحة وغير ذلك.
لماذا في آخر الزمان:
وسألنا فضيلته عن سبب كثرة شيوع موت الفجأة في آخر الزمان تحديدًا فقال الشيخ السدلان: الظاهر والله أعلم أنه من تشعب الحياة وتنوع مشكلاتها مما يسبب ضغطًا على نفس الإنسان فيحصل له موت الفجأة, وقد جاء في الحديث أن موت الفجأة يكثر في آخر الزمان ولعله من ضغط الحياة وتعقدها بسبب المدنية أو بسبب الحروب مثلا؟ً أو بسبب الفتن أو غير ذلك.
كيف نتجنبه:
وردًا على سؤال حول السبل التي قد تقي المسلم من موت الفجأة قال الشيخ السدلان: إن للصدقات دورًا فاعلاً في تفادي الموت فقد جاء في الحديث: [[إن الصدقات تقي مصارع السوء]].
ومن الفجأة من مصارع السوء لأن الإنسان لا يحب أن يموت موت فجأة فلا شك أن ما يقي مصارع السوء الصدقة والصدقة تطفئ الخطيئة كما جاء في الحديث كما يطفئ الماء النار وكون الإنسان يتصدق بأشياء مادية أو نقدية أو من مأكولات ومشروبات وملبوسات على مستحقيها فإن فيها الخير الكثير والتي تدفع عن الإنسان المصائب وتجلب له الخيرات.
وتابع فضيلته حديثه قائلاً: إن هناك أعمالاً تدفع المصائب والموت فجأة وهي الدعاء, وعل الإنسان أن يدعو ربه ألا يصاب بموت الفجأة وأن يستعد للموت قبل نزوله وأن يكون حينما تحل به مصيبة الموت قد استعد وأبرأ ذمته من حقوق العباد وعهد بما ينبغي أن يعاهد به فلا شك أن هذا أفضل وأحسن؛ مبينًا بأن هناك أمورًا تساعد على عدم حصول موت الفجأة وهي مثلاً الفحوصات التي يجريها الإنسان نصف سنوية أو سنوية فهي بلا شك لها دورها بعد الله عز وجل أن الإنسان قد يكون به مرض وهو لا يعرف أن هذا المرض قد يؤدي به إلى الموت فجأة، فمثلاً أمراض القلب التي تحصل وما يتعبها من شرايين, فهذا ا يسبب الجلطات التي تتعلق بشرايين القلب ونحو ذلك من الأمراض المزمنة مثلاً مرض السكر والضغط والكبد والكلى فكلها من أسباب موت الفجأة، فإذا اجتهد الإنسان في تنظيم العلاج وفي الالتزام بالحمية فإن ذلك من أسباب الوقاية من الأمراض التي تؤدي إلى موت الفجأة.
كلمة أخيرة:وقال فضيلة الشيخ السدلان في ختام مشاركته أذكر نفسي وإخواني المسلمين بألا نغتر بالحياة وطولها وآمالها وأن نذكر الموت والبلاء فما ذكر الموت في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره، ولا عند مطالبة بحق إلا سامح الإنسان، وعند الشدة والغضب فإذا تذكر الموت سامح وعفا وصفح، فهكذا ينبغي أن يكون المسلم على صلة بتذكر هذه النهاية وهذا المصير نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستعدوا له ويأخذون حذرهم منه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.