|
التشكيك في المقاومة
التشكيك في المقاومة
د. محمد مورو 17/03/2004
ترتفع من آن لآخر نغمة التشكيك في جدوى المقاومة العراقية أو الفلسطينية أو أي مقاومة ، ومن الغريب أن مفردات التشكيك وأساليبه وأهدافه واحدة ؛ بل هي نغمة تتكرر بصورة رتيبة ومملة وداعية للازدراء .
إذا أخذنا المقاومة العراقية مثلاً ؛ نجد أنه تم التشكيك ابتداءً في إمكانية اندلاع هذه المقاومة ، وكانت الأسباب تدور حول أن الشعب العراقي قد فقد قدراته وحيويته بسبب الديكتاتورية ، أو أنه مرحب فرح بالغزو والاحتلال الأمريكي الذي خلصه من الاستبداد، وسيفتح أمامه طريق الديمقراطية والرخاء ؛ ولكن الذي حدث أن المقاومة العراقية اندلعت بأسرع مما يتصور أكثر المتفائلين تفاؤلاً ، وتصاعدت وأثبتت وجودها ؛ بل حولت حياة الاحتلال وجنوده إلى جحيم. ومرة أخرى يتم اتهام المقاومة بأنها مأجورة لصدام حسين ، الذي يعطيها من الأموال التي اختلسها من أموال الدولة ، وحتى لو كان هذا صحيحًا – وهو غير صحيح-؛ فالأمر لا يدعو إلى النقد ، بل الفخر لأن من الأفضل إنفاق تلك الأموال على مقاومة الاحتلال ، بدلاً من تركها لتنهبها سلطات الاحتلال ، ثم إنه ليس هناك أفضل ولا أشرف من الإنفاق على مقاومة المحتل ودعم نضال شعب ما ، وبدهي أن حجم المقاومة ونوعية عملياتها وأساليبها لا يمكن أن تكون إلا تعبيرًا عن إرادة شعب وكرامة أمة ، وليست قدرات وأموال فرد ، فلما سقطت هذه الفرية بعد أن تم القبض على صدام حسين ، وروج وقتها المرجفون أن المقاومة ستموت بالسكتة القلبية؛ فإذا بها تتصاعد كمًّا ونوعًا .
لما استمرت المقاومة وسقطت الأوهام حول طبيعة المقاومة كان لا بد لدوائر التشكيك أن تبحث عن أسلوب آخر ومنطق آخر وحجج جديدة، وهي أساليب وحجج اتسمت بطابع الهجوم الاستراتيجي، أي التشكيك في المقاومة وفي ترحيب الشعوب بها، وفي طريقة التغطية الإعلانية لها وفي أهدافها ومستقبلها.
فلأن جماهير العالم الإسلامي والعربي محبطة وعاجزة ومقهورة ومغلوبة على أمرها؛ فهي ترحب بالمقاومة وتفخم من أعمالها وتعلق الآمال عليها ، وهذا ليس صحيحًا تمامًا؛ فالترحيب بالمقاومة ليس فقط من منطق الإحباط ، بل من منطق التضامن العربي والإسلامي والوجدان المعادي للاستعمار والمفعم بحب المقاومة والاستشهاد ، ووسائل الإعلام العربية في منطق المشككِين هي بدورها بالغت في أعمال المقاومة ووفرت لها تغطية فوق العادة ، وذلك كنوع من إرضاء الجمهور المتلقي واجتذابه والعزف على أوتار الإحباط بقوة أكثر من أن تسمح به الظروف والإمكانيات أو الواقع ومعطياته ، وأن هذه المبالغة يمكن أن تنقلب إلى العكس وتتسبب في مزيد من الإحباط إذا ما انحسرت أو تراجعت المقاومة أو إذا عجزت عن تحقيق ما تصبوا إليه من أهداف ...
المقاومة تفرض نفسها
ومنطق المشككين هنا يستخدم الكذب والخداع وعدم الترابط وافتراض أشياء غير حقيقية والبناء عليها وعلى غيرها من الأساليب المراوغة ؛ فوسائل الإعلام العربية في مجملها تقدم أقل القليل عن المقاومة ، وليس المبالغة ؛ بل إن أخبار المقاومة تفرض نفسها فرضًا على تلك الوسائل، ولا يمكن بأية حال من الأحوال اتهام أمريكا وحلفاءها وعملاءها وأحزابها ومفكريها وكتابها وصحفييها بالعجز المالي أو المادي لدرجة أن تحدث مبالغة عكسية مثلاً في أخبار المقاومة . واهتمام وسائل الإعلام بأخبار المقاومة هو عمل مهني بحت فليس هناك خبر أو موضوع يمكن أن يكون أهم من المقاومة في تلك الظروف. إن مسألة رد الفعل العكسي إذا ما انحسرت المقاومة أو عجزت عن تحقيق أهدافها منطق يخالف منطق المقاومة وفلسفته تمامًا، والمقاومة أولاً وأخيرًا تندلع من أجل الكرامة، وليس حولها وهم إمكانية الانتصار السريع، والوجدان العربي والإسلامي لايربط الجهاد والنضال بالنصر فهو إما نصر أو شهادة، ولكننا مع ذلك نثق أن المقاومة يمكن أن تضع اللبنات الأولى ليس لانتصار شعب العراق؛ فقط بل للصمود العربي والإسلامي بالكامل.
منطق المشككين يعزو الحماس الجماهيري للمقاومة بأن أعداء أمريكا في المنطقة يروجون للمقاومة لأنها وسيلتهم لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بالأمريكيين، وينسى هؤلاء المشككون أن الاتحاد السوفيتي قد سقط، وبالتالي فإن العداء لأمريكا في المنطقة ليس لحساب طرف ثان، بل هو بسبب ونابع من الممارسات الأمريكية ضد شعوبنا، بل أكثر من هذا فإن المدينين بالحماس للاتحاد السوفيتي والمنظومة الشيوعية السابقة هم الآن أكبر مروجي الخضوع لأمريكا والتحالف معها والتبرير لها والترحيب بها، أما أعداء أمريكا فهم كل الشعب العربي والإسلامي باستثناء أصحاب المصلحة أو الحكام لا أكثر ولا أقل!! .
من وسائل التشكيك في المقاومة العراقية الحديث باستمرار عن الموضوع الطائفي والعرقي ، واستخدام أرقام قد تكون صحيحة وقد تكون مبالغ فيها ؛ فحسب هؤلاء أن العراق يضم مجموعة من الأعراق والأديان وأن الأكراد الذين يبلغون 20% من السكان رحبوا بالاحتلال ويتحالفون معه ، والشيعة الذين يقدرهم هؤلاء بـ60% قبلوا بالتعاون مع الأمريكان وشاركوا في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله الحاكم المدني الأمريكي "بول بريمر". وهناك الأشوريون والكلدانيون والمسيحيون والتركمان وإن الذي يقاوم فقط هم جزء من العرب السُّنة أي جزء من أقل من 20 % أي لا يمكن أن تصل نسبة المرحبين بالمقاومة إلى 10%.... ولأن المقاومة تحتاج مثل السمك إلى الماء، أي إلى احتضان جماهيري؛ فإن غياب هذا الاحتضان الجماهيري سيجعل المقاومة تحتاج إلى إمدادات بالأموال والأسلحة. ولأن المال والسلاح المتوافر حاليًا سينفد سريعًا؛ فإن من الصعب استمرار المقاومة.
أرقام غير صحيحة
وبداية فإن الأرقام التي فاقت دوائر التشكيك ترددها هي أرقام ليست صحيحة تمامًا، والتعامل مع العراق كأعراق وأديان فقط أمر تنقصه الدقة؛ فالكرامة الوطنية والإسلامية تهم الجميع عربًا وأكرادًا وسنة وشيعة، وحتى لو سلمنا جدلاً بأن هناك فقط 10% من الشعب العراقي الذين يرحبون بالمقاومة؛ فإن معنى ذلك أن الجحيم ينتظر الأمريكان وأن مستقبل المقاومة عظيم ومشرف، لأنه إذا كانت مقاومة تستند إلى 10% فقط من السكان قد استطاعت أن تحقق هذا القدر الهائل من النجاح وأنزلت كل هذا الحجم من الخسائر في صفوف الأمريكان وحلفائهم وغيرت عملياتها بالشجاعة والجرأة والذكاء والدقة ، فما بالك لو شارك كل الشعب العراقي أو قطاع واسع منه ، وهذا أمر بالطبع مرشح للحدوث؛ لأن الاحتلال ستنفضح أهدافه مع الوقت ، وستتآكل الأحلام والأكاذيب حول دوره التحريري ، وعقدة الاستبداد أو الاضطهاد الطائفي ستقل مع الوقت طبعًا. وهكذا فإن تردي الأوضاع المعيشة والبطالة في العراق مرشحة للزيادة، وكلها عوامل ستزيد في المقاومة والترحيب بها، ثم إن الأجندة الأمريكية ستصطدم حتمًا مع طموحات زعماء الشيعة والأكراد، ولابد أن نفصل بين أحلام وأوهام قادة أكراد أو شيعة، ومطالب ومشاعر الجمهور الكردي أو الشيعي، خاصة أن الشيعة عرب، والأكراد سنة وأن العرب السنة هم قاعدة التلاحم، فهم عرب مع الشيعة وسنة أحناف مع الأكراد والحقيقة أنه لا يمكن فهم مدى التعاطف والتلاحم والاحتضان الذي يكنه الشعب العراقي حاليًا للمقاومة ورجالها؛ إلا أن ذلك لا يقتصر على نسبة الـ10% المزعومة، بل لا بد أنه يضم قطاعًا واسعًا من الشعب رغم أنف القيادات الطائفية. وإلا أمكن لتلك المقاومة أن تحقق مثل هذه العمليات المتميزة ضد الوجود الأمريكي والإنجليزي والأسباني والإيطالي والبولندي والياباني وهلمّ جرّا !! ولما أمكنها أن تستخدم المدفعية والصواريخ ومضادات الطائرات والعمليات الاستشهادية والعربات الملغومة ، وتلغيم الطرق والوصول إلى مقر قيادات القوات أو المعسكرات شديدة الحراسة لولا الاحتضان الشعبي غير العادي .
وأما مسألة أن الأموال والأسلحة اللازمة لاستمرار المقاومة فهي أراجيف مردود عليها؛ لأن المقاومة هي التي توفر السلاح بطرقها الخاصة، والقول بأن وجود السلاح والمال هو الذي يصنع المقاومة؛ فكيف بإمكانيات10% من السكان قد وفرت كل هذا الكم من السلاح والمال؟! وكيف يا ترى يكون عندما ينخرط الشعب في المقاومة بعد تآكل الأوهام والأحلام؟!! والمقاومة أولاً وأخيرًا إرادة وليست أسلحة وأموالاً، فالمقاومة تعبر عن إرادة شعب ، وليست حرب بين جيشين مثلاً ، ووسائل المقاومة عادت بسيطة ولكنها مؤثرة وهي تعتمد أولاً وأخيراً على الإنسان أكثر من اعتمادها على السلاح والذخيرة.
وصاية الاحتلال الأمريكي
من أراجيف المشككين أيضًا أن القوى السياسية المؤثرة في العراق لا تريد أن ينسحب الأمريكان، لأنها تدرك أن الوجود الأمريكي في العراق حالياً يحمي العراق من حرب أهلية، ومن التحول إلى صومال آخر؛ وبالتالي فإنها سوف تتشبث بالوجود الأمريكي، وهو كلام يثير الغيظ أكثر ما يثير التأمل؛ فلو كان حال القوى السياسية العراقية كذلك لكان عليها أن تغلق أحزابها وتنصرف ما دامت غير قادرة على الحوار والتعايش وليس أن تتشبث بالأمريكان وتمسك بذيلهم..، ولا يمكن الفهم أن بلدًا عريقًا كالعراق لا يمكن أن يعيش بدون احتلال!!
وأيًا كان البديل فإن الاحتلال مرفوض ولتكن المشاكل ما تكون فإنها سوف تنتهي يوماً ويعبر البلد مشاكله ويعبر بأي ثمن ؛ أما أن يظل تحت وصاية الاحتلال فهو أمر لا يليق بأحد أن يقوله أو يفعله أو يؤمن به .
ويروج المشككون أيضًا أنه رغم ما يقرب من العام على اندلاع المقاومة فإنه لا يوجد بيان أو وثيقة تحدد برنامج المقاومة وتصورها لشكل الحكم والمستقبل بعد إخراج الاحتلال، وأنها مقاومة بلا قائد واحد يمكن أن يلتف الشعب حوله ، وأن افتقاد المقاومة لهذين الشرطين فإنها ستنهار حتمًا ...
والحديث عن عدم وجود قائد معروف للمقاومة ، فهذا يرجع أولاً إلى أنها تتكون من العديد من الفرق السياسة والوطنية والإسلامية ، يجمعها جميعًا الرغبة في التخلص من الاحتلال والدفاع عن الوطن والكرامة وبدهي أن تكون هناك جماعات كثيرة وقيادات كثيرة متوسطة ، وأن استمرار المقاومة سيجعلها تصل إلى ذلك الشرط . وحتى لو لم تصل إلى ذلك فهو ليس شرطاً مقدساً لا يمكن لمقاومة أن تتواجد بدونه ، وليس شرطاً تطبيق تجارب معينة وتعميمها على كل النماذج والتجارب. إن عدم وجود وثيقة تحدد البرنامج وشكل الحكم بعد الاستقلال ، فهذا هراء ينبغي ألا تقع فيه المقاومة الآن ؛ بل إن وثيقتها الوحيدة والممكنة حالياً وبرنامجها الذي لا برنامج سواه هو مقاومة الاحتلال بكل الوسائل والطرق حتى يندحر ويزول وبعدها لكل حادث حديث .
محيط المساندة للمقاومة
بقي أن نرصد تلك الذريعة الممجوجة حول أن تلك المقاومة لا تملك تغييراً إقليميًّا ، مثلما كانت فيتنام مثلاً حيث كان هناك محيط معاد للأمريكان ومتعاون مع المقاومة الفيتنامية مثل كامبوديا ولادس وروسيا والصين ، فضلاً عن الدعم الدولي من المنظومة الاشتراكية والأحزاب الشيوعية ، وهذه حجة لو كانت صحيحة لكانت لصالح المقاومة العراقية؛ فإنها رغم هذا الظرف غير المواتي اندلعت سريعاً وصمدت وتصاعدت وأنجزت، ولكن بالإضافة إلى ذلك فإن المحيط الشعبي العربي والإسلامي منحاز للمقاومة ، وهو أفضل من الدعم الحكومي أو الرسمي غير الموجود والذي كان سيفرض على المقاومة توازنات تؤثر عليها سلباً ، كما أن المقاومة تحظى بدعم عالمي من كل المستضعفين في العالم ، وهم الأغلبية ، ومن كل القوى المناهضة للعولمة والمناهضة لأمريكا والمناهضة للمشروع الصهيوني في الهيمنة على العالم .
|