قيل في الأثر - ووزر الوضع على الراوي - أن هند بنت النعمان - رحمها الله - كانت أعظم أهل زمانها حسناً، فتزوجها الحجاج ابن يوسف الثقفي - رحمه الله - وشرط لها بعد الصداق مائتي ألف درهم، وكان الحجاج أقبح رجال زمانه قاطبة، فرغم كون الناظر له من بعيد لا يلحظ إلا قصر قامته وقصر رقبته وبروز بطنه، فإنّ الناظر له من قريب ينظر لوجه وحيد العين، ومكان العين الأخرى حفرة تسقط فيها البيضة، كأنه الرغيف المحترق، بأنفٍ كأنه سقف الباب من كبر حجمه، فسبحان الخلاّق الذي كتب له أن يكون أعظم أمراء زمانه، وجمع له إمارة الشام والعراق، وأن يكون فتح بلاد الهند (باكستان حالياً) وبلاد السند (جمهوريات الاتحاد السوفيتي المستقلة حالياً) بأمره وبجيشه وعلى يدي ابن أخيه محمد بن القاسم - رحمه الله-.
المهم أنّ ابنة النعمان أقامت عند الحجاج ما شاء الله. ثم دخل عليها في بعض الأيام وكانت تنظر في المرآة فتقول: -
وما هند الا مهرة عربية *** سليلة أفراس تجللها بغل
فان ولدت فحلاً فللّه درها *** وان ولدت بغلاً فجاء به الفحل
فانصرف الحجاج ولم تكن علمتْ به، فأرسل إليها عبد الله بن طاهر مع مائتي ألف درهم وقال: طلقها بكلمتين، فدخل عليها فقال لها: الحجاج يقول لك: كنت فبنت، وهذه المائتي ألف درهم باقي صداقك، فقالت: يا ابن طاهر، كنا، فما حمدنا، وبنا، فما ندمنا، وهذه المائتي درهم بشارة لك بخلاصي من كلب ثقيف. ثم بعد ذلك بلغ خبرها أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان - رحمه الله رحمةً واسعة - فأرسل يخطبها، فأرسلت إليه كتاباً تقول فيه: بعد التحية، إن الإناء ولغ فيه الكلب، فلما قرأ الكتاب ضحك من قولها، وكتب إليها يقول: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعا إحداهن بالتراب، فكتبت إليه: أتزوجّك بشرط أنْ يحمل الحجاج محملي من المعرة بلدي إلى بلدكم، ويكون ماشيا حافيا بلباسه الذي كان عليه قبل إمارة العراق والشام، فلما قرأ عبد الملك الكتاب ضحك، وأرسل إلى الحجاج يأمره بذلك، فامتثل الأمر، فركبت في محملها وركب حولها جواريها، وأخذ الحجاج بزمام البعير يقوده،
فجعلت هند تضحك عليه مع الهيفاء خادمتها، فلما قربت من بلاط الخليفة عبد الملك بن مروان رمت بدينار على الأرض ونادت: يا جمّال إنه سقط منا درهم فادفعه ألينا، فنظر الحجاج إلي الأرض فلم يجد إلا ديناراً فناولها إياه، فقالت: الحمد لله،
سقط منا درهم وعوضنا الله ديناراً. فخجل الحجاج وسكت، لأنه علم مقصدها.
والثابت أنه لم يمرّ على المسلمين في عصر الخلافة الأموية أظلم من الحجاج ولا أقسى على الرعية منه، فقد أهان الكثيرين وقتل الكثيرين. وتلك القصة من نوادر التاريخ المشهورة، ولا يمكن لأحد إثبات صحتها أو صحة أيّ جزاء منها، وإن صدقت أحداثها فسبحان الله كيف أذاق الله طعم الذلّة للحجاج وهو في أعلى سلطانه من أضعف خلقه. سبحان المعزِّ المذلّ، سبحان الخافض الرافع.
