|
الإعلام العربي.. واحتلال العراق
الإعلام العربي.. واحتلال العراق
د. محمد السعيد إدريس *
19/3/1425
08/05/2004
شكل احتلال العراق منعطفًا مهمًّا في أداء وسائل الإعلام العربية من ناحية نجاح بعض هذه الوسائل (خصوصًا الفضائيات العربية ومواقع الإنترنت ) في كسر حالة "الاحتكار الإعلامي" التي سعت الولايات المتحدة إلى فرضها؛ للتحكم في المعلومات التي يجب أن تنشر ويفصح عنها بما يخدم فقط أهداف الاحتلال وفرض سيطرتها على العراق، وبما يحول دون التشكيك في هذه الأهداف أو تقويضها.
وليس هناك من منهاجيّة مفيدة للتعرف على ما قام به الإعلام العربي في فضح الغزو والاحتلال أمام الشارع العربي وتكوين رأي عام عربي قوي ومتماسك رافض للغزو والاحتلال معًا وحريص على سيادة العراق وحريته ووحدته الوطنية من كشف الوسائل الأمريكية المختلفة التي
اتبعت لحجب الحقائق والمعلومات عن أجهزة الإعلام العربية ومحاصرة دورها في أضيق نقاط.
حملة الدعاية الأمريكية
فالولايات المتحدة خاضت منذ البداية حربًا دعائية ضد الشارع العربي والعقل العربي معًا بالتوسع قدر المستطاع في استخدام كل ما له صلة بما يعرف بـ"القوة الناعمة" أي: القدرة على الحصول على كل ما تريده عن طريق إقناع الآخرين بأهدافها، وذلك جنبًا إلى جنب مع استخدام "القوة الصلبة" بكافة أنواعها العسكرية والاقتصادية.
وقد حرصت الولايات المتحدة منذ البداية على استخدام منهج مزدوج في إدارتها لترسانتها من القوة الناعمة بما أتاحه التفوق الأمريكي في ثورة الإعلام والمعلومات والقدرة على توظيفها؛ فمن ناحية سعت الولايات المتحدة إلى احتكار إعلام العرب بفرض سيطرة كاملة ومتفوقة للإعلام الأمريكي، ومن ناحية أخرى عملت على محاصرة أجهزة الإعلام العربية والحيلولة بينها وبين الوصول إلى الحقائق كما هي على الأرض خشية تقويض الدور الذي تقوم به الأسلحة الأمريكية المتفوقة، وبما ترتكبه قوات الاحتلال الأمريكية بحق الوطن العراقي والإنسان العراقي.
وفي كتاب صدر مؤخرًا بعنوان "أسطورة حرية الصحافة" الذي كتب مقدمته الكاتب والروائي الأمريكي الشهير "جور فيدال" استعرض عدد من أبرع الصحفيين الأمريكيين تجاربهم خلف الكواليس في الصحف وشبكات التلفزيون وبالذات خبرة الحرب الأمريكية ضد أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث أغرقت وسائل الإعلام الأمريكية -أو غرقت- في مستنقع من الأكاذيب وأنصاف الحقائق التي وظفت في خدمة السياسة التي رسمها المسؤولون في البيت الأبيض "أمة خيرة، ديمقراطية، محبة للسلام، تتعرض لهجوم مجموعة من الإرهابيين المجانين الأشرار؛ الذين يكرهون أمريكا لما تتمتع به من حرية ورخاء"، وإزاء ذلك فلابد من أن تستخدم أمريكا قدراتها العسكرية، وأن تتعقب المذنبين وتقضي عليهم وتهيئ نفسها لحرب تستأصل سرطان الإرهاب من جذوره وتقضي عليه.. أما هؤلاء الذين لا يقفون إلى جانب أمريكا في حربها العادلة في الداخل أو في الخارج؛ فلابد من اعتبارهم متواطئين يسري عليهم ما يسري على مرتكبي الجريمة.
هذه الشهادة التي تكشف إحدى صور المغالطة الإعلامية الأمريكية تأكدت في الحرب الأمريكية ضد العراق وفي الاحتلال الأمريكي للعراق؛ فقد مارست الإدارة الأمريكية ضغوطًا واسعة على وسائل الإعلام وسعت للتأثير عليها؛ حيث فرضت على الصحفيين المشاركة في الصفوف الأمامية للمعركة، وخضعوا للتدريب على استخدام الأسلحة بحيث تصبح قدرتهم أقل على نقل الحقيقة بموضوعية، وكان عدد من الصحفيين التابعين لبعض الفضائيات قد غطّى أخبار الحرب عبر تنقله بالمدرعات الأمريكية في الوقت الذي نصبت فيه بعض الفضائيات كاميراتها على مقدمة الدبابات التي كانت تتحرك تجاه بغداد والمدن العراقية الكبرى، كما كشف "كلايف مايري" مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في العراق أثناء الحرب أن قوات الغزو الأمريكية فرضت لبس الزي العسكري على الصحفيين المرافقين لها، وأن الصحفيين كانوا يعيشون مع الجنود ويأكلون معهم؛ حيث نشأت بعض الصداقات بينهم الأمر الذي أدى إلى تراجع موضوعية هؤلاء الصحفيين.
مغالطات الإعلام الأمريكي
كان الهدف هو طمس الحقائق ونشر معلومات محددة تخدم أهداف الغزو ولم يكن التورط الأمريكي في قصف مكتبي (الجزيرة) و(أبي ظبي) في بغداد إلا إصرارًا على احتكار الصوت والصورة معًا، وجاء هذا القصف بعد أن قامت محطة (الجزيرة) بنقل صور الدمار الذي أحدثه الغزو الأمريكي على عكس صورة "الحرب النظيفة" التي كانت تريدها الإدارة الأمريكية، وبعد أن عرضت المحطة صورًا لأسرى القوات الأمريكية – البريطانية في العراق، وأكد مراقبون أن القوات الغازية سعت بقوة للسيطرة على الصوت والصورة في الحرب على العراق، ولم يكن المركز الإعلامي الأمريكي في قاعدة "السيلية" بقَطَر إلا رمزًا لهذه السيطرة، ولم تكن الانتقادات بتجاوز المواثيق الدولية والإساءة لأسرى الحرب بعرض صورهم عندما عرضت محطة (الجزيرة) صورًا لهؤلاء الأسرى إلا حرصًا على منع أي تلفزيون آخر من التورط في بث مثل هذه الصور، وجاء قصف الطائرات الأمريكية لمكتبي (الجزيرة) و(أبي ظبي) في بغداد وإطلاق النار على سيارات الطواقم الصحفية ثم قصف فندق فلسطين مقر البعثات الصحفية العربية والعالمية في بغداد ليؤكد إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على كتم أصوات الشهود على "جريمة " ترتكب ولا تود لأحد أن يعلم عنها شيئًا.
من هنا بالتحديد نستطيع أن نحدد الدور الذي قامت به وسائل الإعلام وأن نقيِّم هذا الدور، وهو منع الولايات المتحدة من طمس معالم جريمتها في العراق، وكيف استطاعت أن تصل إلى الشارع العربي وتؤثر فيه.
لقد أجابت منظمة "صحفيون بلا حدود" عن أهم هذه الأسئلة بالحديث عن مذبحة الصحفيين والمراسلين العرب والأجانب في فندق فلسطين يوم 8 إبريل/ نيسان قبل يوم واحد من سقوط بغداد عندما حملت قوات الاحتلال الأمريكية مسؤولية هذه الجريمة على عكس ما حاولته هذه القوات بتصوير الجريمة على أنها "دفاع عن النفس" ردًا على إطلاق نار من الفندق كما أجاب عنه الاتحاد الدولي للصحفيين عندما أحصى 91 قتيلاً من الصحفيين عام 2003 في 25 دولة، منها 18 في العراق وحده إضافة إلى الفرنسي "فريد نيدال" وزميله "حسين عصام" اللذين اعتُبرا في عداد المفقودين وقتلا على الأرجح خلال اشتباكات قرب البصرة في مارس 2003.
ما بعد الغزو .. ولعبة مكشوفة
لم يتوقف دور وسائل الإعلام العربية على تغطية عملية الغزو الأمريكي البريطاني للعراق وكشف الوجه الآخر القبيح لهذا الغزو الذي كانت تحرص واشنطن على إخفائه بشتى السبل عن الرأي العام الأمريكي أولاً والرأي العام العالمي ثانيًا؛ كي تمر الجريمة دون محاسبة وعقاب . لكن هذا الدور استمر أيضًا بعد الغزو في ملاحقة أنشطة قوات الاحتلال في العراق وتغطية المقاومة العراقية وإحصاء عملياتها وهو ما كانت تسعى الولايات المتحدة إلى طمسه ومنع الحديث عن المقاومة ووصم أعضائها بـ"القتلة" خشية أن يتعامل معها العالم كحركة تحرر وطني ضد الاحتلال الأمريكي.
لم تكن الولايات المتحدة راضية عن الدور الذي تقوم به بعض المحطات الفضائية العربية خاصة (الجزيرة) و(العربية)؛ ولذلك قرر مجلس الحكم الانتقالي منع كل من المحطتين من تغطية أنشطتهما لفترة ؛ وبسبب الاتهامات الأمريكية (للجزيرة) و(العربية) بالتحريض على العنف أصبحت مكاتب المحطتين ومراسليهما في دائرة تلقي التهديدات بالقتل وإطلاق النار والاعتقال وأكد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي أن لديه أدلة بأن قناتي (الجزيرة) و(العربية) الفضائيتين تتعاونان مع المقاومة؛ وعشية إطلاق الأمريكيين المحطة الفضائية الأمريكية الناطقة بالعربية من واشنطن (الحرة) اتهم رامسفلد محطتي (الجزيرة) و(العربية) بإلحاق الكثير من الأذى بالمصالح الأمريكية في العراق وادعى أن المحطتين تبثان معلومات خاطئة وغير دقيقة بشكل متواصل
هذه الملاحقة الأمريكية لوسائل الإعلام العربية جاءت جنبًا إلى جنب مع وضع الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول برايمر ما عرف بالأمر رقم 14بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2003 الذي حدد فيه الأنشطة الإعلامية المحظورة وجزاءات من يخالفها؛ فقد حظر على المنظمات الإعلامية إذاعة أو نشر مواد أصلية أو معادية أو مذاعة أو مطبوعة أو منشورة بالاشتراك من شأنها أن:
1- تحرض على العنف ضد أي فرد أو جماعة بما في ذلك الجماعات العرقية والإثنية أو الدينية أو النساء.
2- تحرض على العصيان المدني أو الاضطرابات أو إلحاق الضرر بالممتلكات .
3- تحرض على العنف ضد قوات التحالف أو العاملين في سلطة التحالف المؤقتة .
4- تدعو لتعديل الحدود العراقية باستخدام العنف.
5- تدعو لعودة حزب البعث العراقي إلى السلطة أو تصدر تصريحات يُشتَمُّ منها أنها نيابة عن حزب البعث العراقي.
وأعطى هذا الأمر للحاكم المدني الأمريكي سلطة استخدام كل الإمكانات المتاحة لسلطة التحالف بغرض ضبط النشاطات المحظورة وتفتيش مقار المنظمات الإعلامية العراقية دون إخطار مسبق للتحقيق من الإذعان لهذا الأمر وأن يستولي على أية مواد محظورة ومعدات إنتاج ويغلق أية مقار مستخدمة في التشغيل ولن يسمح بدفع أية تعويضات مقابل مصادرة هذه المواد أو المعدات أو إغلاق المقار.
كل هذه السلطات وضعت للحيلولة دون ظهور إعلام وطني عراقي معاد لقوات الاحتلال من ناحية، وللحد من دور وسائل الإعلام العربية والعالمية في العراق بما يحمي ويتستر على جرائم الاحتلال في العراق لكن يبقى السؤال المهم: هل استطاع الإعلام العربي أن يتحدى الإدارة الأمريكية والغزو الأمريكي –البريطاني وسلطات الاحتلال في العراق وأن يصل إلى الشارع العربي بالحقيقة المجردة كما هي دون تزييف أو تجميل للوجه الأمريكي القبيح؟
|