التهريب بطولة وشجاعة وثراء، والبدو هم الأنشط
السعوديون يهربون كل شيء: من الغنم إلى النساء*
الجمعة 12 مارس 2004 14:22
إيلاف" من الرياض: تشتهر مدينة حفر الباطن(شمال شرقي السعودي) بأنها أحد مراكز التهريب التقليدية. وهي مدينة عجيبة في تركيبتها السكانية، إذ تكاد أن تكون نموذجاً مصغراً للسعودية من ناحية اشتمالها على معظم التشكيلات الاجتماعية، ويعود السبب في ذلك، حسب بعض التفسيرات، إلى استقطابها فئات المهربين من شتى أنحاء البلاد، والتي بلغت ذروتها في السبعينات إلى نهاية النصف الأول من الثمانينات، بحكم أنها رأس مثلث يربط بين الكويت والعراق.
ويلحظ الراصد أن سكان هذه المدينة يعتبرون التهريب ممارسة طبيعية شرط أن لا يشمل تهريب الحشيش والسلاح، وما عدا ذلك من أشكال التهريب فإنه يعتبر مظهراً فروسياً، وفعلاً بطولياً، يستحق صاحبه التقدير والتقديم في المجالس.وإذا ما تم ضبط أحد المهربين، فإنه حال خروجه من السجن تقام له الولائم الضخمة، ويحتفي به الجميع. إما إن كان يعاني من صعوبات مالية، بسبب مصادرة بضاعته وسيارته وربما تغريمه، فإن أبناء المهنة المخلصين يجمعون له التبرعات والقروض التي تعيده، بكامل عافيته، إلى ميدان التهريب مرة أخرى.
وأهمية حفر الباطن في التهريب محورية إلى درجة أن أهاليها يصنفون بعض تجار مدينتهم على أنهم من ثمار التهريب؛ فهذا حقق ثروته من تهريب الأجهزة، وذاك من تهريب الأغنام، وثالث من تهريب البشر، حتى ليظن المرء أن فقراء هذه المدينة دخلوا إليها خطأ لأنهم لم يمارسوا التهريب يوماً. و"حفر الباطن" ليست سوى مجرد عينة تتكرر صورتها، في معظم المدن الواقعة على الشريط الحدودي في الاتجاهات كافة مثل: القريات، الجوف، رفحاء، وادي الدواسر، الخفجي، فيفا، نجران، الزلفي في فترات سابقة، إضافة إلى الموانىء البحرية خصوصاً المنعزلة منها.
ويمكن القول أن كل شيء قابل للتهريب في السعودية، ولعل مجرد الرصد الأولي لبعض التقارير الرسمية يكشف أن نطاق التهريب يشمل: الغنم، المخدرات بدرجاتها، البشر من الجنسين، الأجهزة، الأدوية، المجوهرات، بل إنه في سنوات ماضية كان يشمل الدخان، والرمل، وحتى زيوت الطعام. وكلما كثرت المحظورات والممنوعات، تفتحت للمهربين أبواب رزق جديدة.
ولإيضاح حقيقة التهريب في السعودية يكفي معرفة أنه في سنة واحدة(آذار/مارس 2001-آذار/مارس 2002) تمكنت قوات سلاح الحدود من ضبط: 337723متسللاً، و 4367مهرباً، و34038 رأسا من المواشي، و2321كيلو جراما من الحشيش، و 400345حبة مخدرة، و 3242086كيلو من القات و 3656جراما من الماريجوانا.فيما بلغت الاسلحة والمتفجرات 176171اصبعا من الديناميت و 4102194من الذخائر المتنوعة.وبلغت الخمور 14033زجاجة و 658علبه بيرة.
ومع أن هذه المضبوطات تؤكد النشاط الفائق للأجهزة المسؤولة، إلا أنه من المهم ملاحظة عدم توافر احصاءات تحدد نسبة المضبوطات من إجمالي عمليات التهريب، مما يعني أن لا أحد يستطيع أن يجزم، تالياً، إن كانت هذه الأرقام تبرهن على فعالية مختلف حراسات الحدود من موانىء ومطارات وحدود برية، أم أن عمليات التهريب في السعودية من الضخامة والتنوع بحيث يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ضبطها والسيطرة عليها كلياً. من جهة أخرى يمكن الاستنتاج أن هذه الحصيلة من المضبوطات لاتشكل نسبة مهمة من جملة المهربات استناداً إلى أن سعر عبوة الخمر من نوع "بلاك ليبل" يبلغ سعرها الفردي نحو 500 ريال، وسعرها الإجمالي 350 ريالاً، وسعر "إصبع" الحشيش 500 ريالا، وسعر رشاش الكلاشينكوف، مع مشطين محشوين، 1500 ريالا. وهذه الأسعار تعتبر بالمقاييس العالمية شديدة الرخص، إذ لا يتفوق عليها سوى البلدان المنتجة للسلع المذكورة.
محاولة التأريخ للتهريب
يعود ظهور التهريب كنشاط أساسي إلى الخمسينات، وكان الهدف منه الاستفادة من الفروقات الجمركية بين البلدان، فكان يتم تهريب السجاد العجمي من الكويت إلى السعودية، ونشط تهريب السجائر حين كانت ممنوعة في السعودية، وتهريب "الدخان" كما يسميه الجيل الأول من المهربين شكل حقبة ذهبية، فهو أولاً خفيف الوزن وبالإمكان شحن كميات كبيرة منه، وزبائنه كثر، واستهلاكه سريع.
وكان تهريب الذهب معروفاً، إلا أنه ظل محصوراً بفئات من المهربين أكثر احترافية، لأنه تطلب خدعاً كثيرة مثل تذويبه على أنه حد قطع السيارة الأصلية، أو تصميم مستودعات خاصة تكون جزءاً من خزان الوقود أو هيكل السيارة. ومهربو الذهب ميالون إلى التحايل على رجال الجمارك، لكن عمليات تهريبه بكميات كبيرة لم تكن شائعة ربما لأن مهربيه كانوا أفراداً يحملون بضاعتهم الخاصة والمحدودة.
أما الأجهزة الكهربائية والالكترونية التي كانت محدودة الانتشار في السعودية وغالية الثمن أيضاً، فامتد سوقها من الستينات إلى أوائل السبعينات، وكانت تجلب من الكويت غالباً. وكانت أحيانا تهرب في شاحنات كبيرة، كما هو الحال في تهريب الأغنام من العراق والشام إلى السعودية، التي كانت تساق قطعاناً أو تنقل في الشاحنات. وهرب البعض زيت الطعام كما هربوا الرمل إلى الكويت، وفي الواقع فن كل بضاعة معدومة أو غالية لدى أحد الأطراف، ومتوافرة لدى الآخر فإن المهربين يقومون بسد النقص.
ومن المهم الإشارة إلى أن مثل هذه العمليات حتى منتصف السبعينات تقريباً، لم يكن بعضها يواجه مشكلات جدية مع سلاح الحدود بسبب محدودية الإمكانات فالمهربون يحفظون مواعيد مرور الدوريات أكثر من الموظفين أنفسهم، إضافة إلى طول الحدود المهول، أما الإشكالية الحقيقية فكانت ذات جذر قبلي ومناطقي، خصوصاً في عمليا التهريب الثقيلة مثل الأغنام والأجهزة، والتي لانفع من تهريبها بكميات محدودة ولاقدرة على النجاة بها إذا وقعت المطاردة، لذلك استفاد المهربون من كون بعض العاملين في سلاح الحدود من أبناء عمومتهم أو من أهل منطقتهم، فكان يتم التواطؤ إما محبة أو انتفاعاً. ويروي بعض قدامى مهربي الأغنام أنهم كانوا يقابلون سيارة سلاح الحدود وبها جنود من أبناء عمومتهم فيتبادلون التحايا، ثم يعدون غداءا مشتركاً، وقبيل الانصراف يهدي المهرب خروفاً أو أثنين لهم، ثم يتوادعون فيمضي كل في دربه،
وقد انتبهت السلطات السعودية إلى هذا الخلل، وأحدثت إجراءاً ذكياً وبسيطاً في الوقت ذاته، إذ وضعت في نقاط الحدود الشمالية جنوداً من سكان الجنوب، والعكس صحيح، فلم تعد هناك معرفة ولا يحزنون، وأُغلق باب واسع كان للتهريب مفتوحاً.
وكان من آثار هذا الإجراء، إضافة إلى عوامل أخرى، أن لجأ المهربون إلى استخدام السيارات السريعة، وكانت السيارة المفضلة، هي "جي.إم.سي" ذات الحوض المزودة بـ"شكمانين"، ويروي المهربون قصصاً فريدة عن سرعتها، وكانت تستخدم لتهريب الركاب والخمور والأسلحة، وقد منعتها الحكومة نهائياً عام 1980 تقريباً، مما أدى إلى أن بلغت أسعارها معدلات جنونية لأنها سلاح المهرب الموثوق، والرفيق الذي يطمئن إليه.
ومنذ حرب الخليج الأولى إلى ماقبل حرب الخليج الثانية شاع تهريب الركاب، وهي مهمة تهريبية وسطية، أي أن المهربين السعوديين كانوا ينقلون الركاب من العراق إلى الكويت، فالكويت كانت سوقاً مرغوبة من العمال العراقيين والمصريين العاملين في العراق، لكن الدخول إليها من جهة العراق كان صعباً بسبب ضيق الحدود وكثافة الحراسة، لذلك يتم تهريبهم من العراق إلى السعودية ومن ثم حملهم إلى الكويت مرة أخرى، ومتوسط كلفة الفرد في الرحلتين 5000 ريال سعودي، فإذا كان المهرب ينقل في الرحلة الواحدة 20 شخصاً مثلاً، فإنه ربحه يبلغ نحو مئة ألف ريال، علماً أن العملية بأجمعها لاتتجاوز يوماً واحداً. وقد ازدهرت هذه النوعية من التهريب حتى أوشكت أن تكون المجال الوحيدة، فهي أقل عقوبة من الناحية الجنائية، وليس فيها ما يسىء إلى سمعة المهرب الاجتماعية.
المهرب ليس دوماً هو صاحب البضاعة، بل أن أكثرهم مجرد ناقلين يأخذون أجرهم على النقل، بل إنه قد لايعرف محتويات حمولته. يحصل المهرب على مستحقاته بطرق شتى، ليس من ضمنها التحويلات البنكية، ومن الطرق أن يتعهد أحد الثقات بدفع المبلغ عند إنجاز المهمة، وفي حالة الأغنام فإنه قد يحصل على نسبة، ويتم التحصيل من الركاب شخصياً لعدم وجود وكيل لهم. وفي الحالات الخطرة والحرجة، يحصل المهرب على السيارة المستخدمة، ويقال أنها كانت مقتصرة على طريق الكويت- السعودية هي أن يشتري صاحب البضاعة في الكويت سيارة جديدة، ويسلمها على المهرب على أن تكون له إن أوصل البضاعة بسلام، أما إذا قبض عليه فلا يشي بصاحب البضاعة بل يقر أنها بضاعته الخاصة.
ولعل التهريب وما يتصل به من الطبيعة الصحراوية هو السبب في انتشار السمعة الأسطورية لسيارات فورد، إلى درجة أن البدو يعاملونها بمحبة كما أبلهم، وكثيراً مايذكرونها، في أشعارهم، بحنين وشوق.
وفي المناطق الحدودية الصغيرة يعامل المهرب على أنه بطل وشخصية مميزة، وربما كان نموذجاً للصغار، ومن أبرز الشخصيات المعروفة بالتهريب الشاعر بندر بن سرور.
ويم التهريب عادة في تشكيلة من مجموعة سيارات من أجل تخفيف الضرر لو تعرضوا لمداهمة، ويستخدمون ما يسمونه "السبر" وهي سيارة فارغة هدفها تضليل سلاح الحدود بحيث يطاردونها فإذا قبضوا عليها لايكون فيها مايدين صاحبه، فيحتجز تأديباً ثم يطلق، وسائق "السبر" يجب أن يكون بارعاً في القيادة، وماهراً في استدراج سيارات سلاح الحدود وتضليلها أطول فترة ممكنة، ولذلك يحصل على حصة مماثلة لزملائه الآخرين.
اليوم يأخذ التهريب مساقات أكثر خطورة نتيجة التركيز على تهريب الأسلحة والمخدرات المميتة، وهذه النوعية من المهربين دموية وتستخدم السلاح في الإصطدام مع رجال الحدود، لأن جريمتهم عقابها الموت، أو اسجن امؤبد، كما أن أرباحهم عالية جداً، والكثير من مهربي الأسلحة مطلوبون بحيث أن التهريب هو خيارهم إلى أن يأتيهم الموت طوعاً أو كرهاً.
خصائص ومواصفات المهرب
يتفق سكان المناطق الحدودية، وغالبيتهم من أبناء القبائل، على أن التهريب استعادة لحالة من الفروسية المنقرضة، والمهرب إذ يقوم بحيل المراوغة، وإظهار مهارات المواجهة والتخفي والتضليل، فكأنما هو فارس يصول على ظهر جواده، يهزم خصمه ويعود مظفراً بالنصر والغنائم، أي أنه نجم بيئته الاجتماعية.
هذه الصورة فتحت للمهربين فرصة تجمع بين المكسب والمجد، وهكذا تدافع أبناء المناطق الحدودية على التهريب، يجربون من خلاله حظهم، ويكونون ثروة، إن نجوا من السجن، أو الموت في مطاردة مع سلاح الحدود أو خفر السواحل.
والتهريب مثل القمار من يبدأ به لا يستطيع الخلاص منه، وكلما حقق كسباً أو تعرض لخسارة، توهم أن محاولة أخرى ستصحح الوضع، أو تزيد من صلابته، ونتيجة هذا "الإدمان" فإن القلة من المهربين هم الذين تمتعوا بمكاسبهم لأنهم عرفوا التوقيت المناسب للإقلاع عن التهريب. والملاحظ أن المهربين لا يشككون في شرعية مصدر كسبهم، بل يرونه حلالاً لا ريب فيه، ولعل المتشددين دينياً من المهربين هم الذين يعتبرون تهريب المخدرات من المحرمات، أما قوانين الدولة وممنوعاتها فهي لاتقدح في النقاء الديني، ولا بأس في انتهاكها.
وللمهرب المحترف مواصفات لابد من توافرها ومنها:
-الشجاعة: فلا يخاف إذا تمرد الركاب، أو تم الاشتباك مع سلاح الحدود لأنه قد يعرض المجموعة للخطر، كما أنه لايخشى السرعة والسير ليلاً في دروب مظلمة.
-الكتمان: فلا يكشف أسرار زملائه إن تعرض للاعتقال، ولا يشي بهم أبداً، أما إن فعل فإنه قد يعرض حياته للخطر لأن عقوبة الخيانة في هذه المهنة هي الموت.
-الثقة: فهي معيار التعامل الأساسي، والعقد الوحيد الذي يلتزم الجميع به، هو "كلمة