من الممكن القول إنّ المصادمات الجديدة بين جيش المهديّ التابع لمقتدى الصّدر هي الجولة الثانية من المواجهات بين الطرفين بعد الجولة الأولى التي خاضها خلال شهر نيسان وأيار الماضي، وتوقفت مع مجيء حكومة "إياد علاوي" إلى السلطة، وربما قبل ذلك بقليل عندما وقع الصّدر تحت وطأة ضغوط لا حصر لها مما بات يعرف لاحقًا بالبيت الشيعيّ الذي يتشكّل عمليًّا من عدد من المراجع الكبار وعلى رأسهم السيستاني، إضافة إلى عشرات الرموز والمجموعات السياسيّة والدينيّة، والذين توافقوا في ذلك الحين على ضرورة وقف المواجهات بين الصّدر والقوّات الأمريكيّة وخروج جيش المهديّ من النّجف والعتبات المقدّسة.
ليس من الصعوبة بمكان القول إنّ ما جرى في ذلك الحين قد تمّ بمباركة إيرانيّة وحيث كان الإيرانيّون لا يزالون على رأيهم المرجح للمنهجيّة السلميّة في التعامل مع الاحتلال، وهو الموقف الذي تتبناه معظم القوى في الساحة الشيعيّة، وإنْ بدا أنّ بعضها قد مال إلى إبعاد تيّار الصّدر من الساحة تمامًا، والسبب هو شعوره بتلك التغيّرات الواسعة التي أصابت الشارع الشيعيّ، لاسيما الشبابيّ منه، وحيث أخذ يميل بشكل واضح لخطاب الرّفض الذي يتبناه الصّدر.
لا شكّ أنّ التفجيرات التي وقعت لمؤسّسات الشرطة والمواقع المدنيّة وخطاب التكفير الذي يتبناه "أبو مصعب الزرقاوي" قد استخدم في سياق إقناع الصّدر بالتخلّي عن منهجيّة المقاومة على اعتبار أنّ مكاسب الشّيعة السياسيّة من النهج السلميّ ستكون أفضل، فيما قد يعني فشل المشروع الأمريكيّ وأنّ أنصار صدّام والأصوليين السّنة هم الذين سيربحون الجولة!!
هي إذن جملة عوامل دفعت تيّار الصّدر نحو التخلي عن خيار المقاومة المسلحة ووقف المواجهات، لكن ما ينبغي أنْ يُقال هنا هو أنّ ما حصل عليه البيت الشيعيّ من الوساطة لصالح مقتدى الصّدر قد انطوى بدوره على تنازلات أمريكيّة هامّة، من بينها وقف ملاحقة مقتدى الصّدر وقيادات تيّاره، إلى جانب نسيان قصّة حلّ جيش المهديّ التي وضعت شرطًا للتسوية في البداية، الأمر الذي يؤكّد حرص الأمريكان على عدم جرّ أيّ من التيّار الشيعيّ نحو برنامج المقاومة.
ما الذي جرى بعد ذلك حتى عادت المواجهات بين الصّدر والقوّات الأمريكيّة على هذا النحو الذي لا يقلّ عنفًا عن مواجهات الجولة الأولى التي أشرنا إليها سابقًا؟
من الواضح أنّ الأصابع الإيرانيّة تقف وراء ما يجري في النّجف، وهو أمر قلناه منذ البداية قبل أنْ يخرج قادة من الشّيعة ويعلنوه على الملأ ، الأمر الذي تكرّر من قبل بعض مسؤولي الحكومة المؤقّتة.
والحال أنّ العلاقة بين الصّدر والإيرانيّين قد جرى ترتيبها منذ جولة المواجهات الأولى من خلال "حزب الله اللبناني" الذي يسعى بدوره إلى تعزيز خيار المقاومة لدى الشّيعة للخروج من مقولات تعاونهم مع الاحتلال واقتصار المقاومة على المثلث السّنيّ.
ولكن لماذا أراد الإيرانيّون من الصّدر أنْ يبدأ جولة مواجهات جديدة في هذا التوقيت بالذات؟
لا يمكن الردّ على هذا السؤال بعيدًا عن مراجعة حالة الشدّ والجذب بين الأمريكان والإيرانيّين من جهة وبين الإيرانيّين وحكومة "علاوي" التابعة للأمريكان من جهة أخرى.
واقع الحال هو أنّ النفوذ الإيرانيّ في العراق لم يعد من اللون الذي يمكن تجاهله، فالإيرانيّون موجودون ويمارسون مختلف أشكال النشاطات الاستخباريّة والتجاريّة والتعبويّة، وهم الذي يحرّكون الشقّ الأكبر من الحالة الشيعيّة. أمّا الأهمّ من ذلك فهو مساهمتهم الواضحة في الإبقاء على حالة التوتّر الأمنيّ في الساحة العراقيّة، تبعاً لمقاربة تقول إن التوتر يدفع الأمريكان نحو التنازل للشّيعة، فيما يحول بينهم وبين الالتفات لإيران بوصفها العدوّ التالي.
جاء الموقف الإيرانيّ وتصعيد النّجف ردًّا على تصعيد الأمريكان في الملفّ النّوويّ الإيرانيّ من جهة وردًّا على تصريحات وزير الدفاع في حكومة "علاوي" التي اعتبر فيها إيران عدوّ العراق الأوّل. وهنا لم يكن من الأمريكان إلا توجيه صفعة جديدة للإيرانيّين من خلال حكومة "علاوي" بإعلان أمر القبض على أحمد الجلبي وابن شقيقه سالم الجلبي أثناء وجود الأوّل في إيران، وهي رسالة واضحة بعدما تحول الجلبي إلى حليف للإيرانيّين وأحد أعمدة البيت الشيعيّ.
على أنّ الموقف قد يميل إلى التهدئة لاحقًا حسبما تقول مؤشرات جديدة، وحيث أرسل الإيرانيّون دعوة لعلاوي لزيارة طهران، فيما أعلن وزير الخارجية"زيباري" اعتذاره عن كلام وزير الدفاع، الأمر الذي قد يشير إلى أنّ الأمريكان وصاحبهم "علاوي" قد أدركوا أنّه ما من شيء سيمكّنهم من مواجهة الصّدر سوى التفاهم مع الإيرانيّين مباشرة.
من الصعب القول إنّ زيارة علاوي لطهران ستحلّ المشكلة، لاسيما وهي تأتي بعد أنْ حاول هذا الأخير رسم معالم عربيّة لسياسته من خلال جولته في العواصم العربيّة، لكن تراجع الصّدر تبعًا لتفاهمات ترعاها إيران، إمّا مباشرة أو من خلال البيت الشيعيّ لا بدّ سيعني أنّ الأمريكان هم الذين قدّموا الجزء الأكبر من التنازلات ومعهم حكومتهم التابعة.
في كلّ الأحوال، فإنّ بالإمكان القول: إنّ مقتدى الصّدر سيبقى حالة مميّزة في المعسكر الشيعيّ بشكل خاص، والعراقيّ بشكل عام، وستبقى له نكهته ودوره، أكان بالمقاومة المسلحة أم بالرفض السياسيّ، وحيث لا يملك إلا أحدهما؛ لأنّ دخوله في السّرب الموالي للاحتلال لن يمنحه شيئًا مذكورًا من الحسبة السياسيّة.