تبدو أحداث النّجف الأخيرة مثيرة للمشاعر بدرجة كبيرة، لكنّ شخصيّة الصّدر كذلك تثير العديد من الجدالات والنقاشات بين المحللين والمتابعين للشأن العراقيّ، فهاهو يعود مرّة أخرى إلى الواجهة السياسيّة والإعلاميّة، في انتفاضة شعبيّة جديدة، لم تعط المحللين وقتا كافيًا للتفكير في انتفاضته الأولى!
وكما كان مقتدى الصّدر يثير بتصريحاته وأنشطته -التي تبدو أحيانًا متناقضة- الكثير من الأسئلة والتحليلات، فإنً انتفاضة أتباعه ومؤيّديه مرة أخرى على نحو مواجهة مسلحة مع الاحتلال تثير أسئلة أخرى جديدة: هل اتسعت مقاومة الاحتلال في العراق لتشمل شريحة أخرى واسعة من العراقيّين ظلّت على الحياد، أو هي أقرب إلى التعاون مع الاحتلال؟ أم أنّها انتفاضة مؤقّتة سيجري حلها بالتفاوض مع المرجعيّات الشيعيّة وربّما إيران؟ أم أنّها احتجاج شيعيّ على ما يشاع عن إخلال باتفاق مع الأمريكان بضمان الأغلبيّة المطلقة للشيعة في الحكم والبرلمان مقابل التعاون مع الاحتلال؟
ظهر مقتدى الصّدر بعد سقوط النظام السياسيّ في العراق باعتباره زعيمًا جماهيريًا تؤيّده أعداد كبيرة جدًّا من الشّيعة، وأعلن عن تشكيل جيش المهديّ، وأطلق تصريحات نقديّة لاذعة بحقّ مجلس الحكم في العراق والاحتلال الأمريكيّ، ثم أعلن عن تشكيل حكومة بديلة، وتلقى تحركاته وتصريحاته اهتمامًا إعلاميًّا وسياسيًّا وشعبيًّا، ثم أعلن بعد تحركات إعلاميّة أنّ الأمريكان في العراق هم ضيوفنا مناقضًا ما بدا منه في السابق من معارضة قويّة كان يظنّ أنْ تتحول إلى مقاومة، واليوم فإنّه يقود ما يبدو أنّه مقاومة واسعة، وجماهيريّة شاملة مع قوات الاحتلال في العراق.
الرجل هو ابن الزعيم والمرجع الشيعيّ محمد صادق الصّدر، وهذا الأخير هو ابن أخ محمد باقر الصّدر مؤسّس حزب الدّعوة عام 1957م، والذي أُعدم عام 1980، وقد قتل صادق الصّدر واثنان من أبنائه عام 1999م فيما يعتقد أنّها عمليّة اغتيال نفّذتها عناصر تابعة لنظام الحكم السابق، قد تكون ميليشيات فدائيّي صدّام.
يبلغ مقتدى الصّدر من العمر 25 عامًا فقط، وهذا يجعله- بالطبع- غير مؤهّل علميًّا لتولّي المرجعيّة الشيعيّة التي يحتاج الوصول إليها إلى سنوات طويلة من الدراسة في "الحَوْزة"، وكان الصّدر يتبع - بناء على وصيّة والده كما يُقال- لمرجعيّة الشيخ كاظم الحائري، وهو أحد أهم القيادات العلميّة الشيعيّة المقيمة في طهران ، وتبدي جموع الشّيعة من أتباع الصّدر حساسية خاصة تجاه المرجعيّة الإيرانيّة، وتعبر عن حركة شيعيّة عراقيّة.
وقد أرسل الحائري شقيقه ليكون ممثلا له في العراق، وافتتح مكتبًا خاصًا به، ولكن الصّدر يتجاهل هذا الدور لحائري، بل إنّه ينتقده ويقول: إن بقاءه في إيران سيفقده الكثير من أتباعه.
وقد أسّس الشيخ اليعقوبي، أحد أتباع الصّدر، والذي اعتقلته قوات التحالف مؤخرًا حزبًا أسماه "الفضيلة" وهو أكثر ولاءً للحائري من الصّدر، ويبدو أنّ تأسيس الحزب هو محاولة لاستيعاب أتباع الصّدر في صيغ تنظيميّة توظف التيار الواسع المؤيد.
والواقع أنّ مؤيّدي الصّدر تجمّعوا فعلا في السّنوات العشر السّابقة لسقوط النّظام، ولم يكن ظهورهم الكبير بعد سقوط النّظام مفاجأة تحقّقت في أيام، فقد أنشأ محمد صادق الصّدر بعيدًا عن الأحزاب الشيعيّة التي تعمل في إيران وفي خارج العراق تيارًا سياسيًّا شيعيًّا مستقلا غير مرتبط بإيران ولا بالحوزة النجفيّة.
وبدأ منذ عام 1991م يوثّق علاقاته بالقوى الاجتماعيّة والعشائر العراقيّة وبخاصّة المقيمين في مدينة الثورة والمهاجرين إليها، وكوّن قاعدة شعبيّة تضيف إلى تلاميذه ومرجعيّته العلميّة قوّة سياسيّة واجتماعيّة، وربّما كان هذا هو سبب اغتياله مع أبنائه، ويبدو أنّ الحرب العراقيّة الإيرانيّة قد كوّنت مشاعر وطنيّة عراقيّة لدى الشّيعة العراقيّين.
وأعلن مقتدى الصّدر عن تشكيل جيش المهديّ، وهو تجمع افتراضي وليس تنظيمًا سياسيًّا أو عسكريًّا حقيقيًّا، ولكنّه يعبر عن تأييد كبير يحظى به مقتدى الصّدر وينافس أساسًا ويتحدى "الحكيم" القيادة الشيعيّة للمجلس الأعلى، والتي يتجمع حولها النّخب والقيادات الشيعيّة، في حين يتجمع حول مقتدى الصّدر الشباب والفقراء والمهمّشونِ، وبعثيّون سابقون لم يكن لهم في الحزب دور قياديّ.
ولمقتدى الصّدر خلافات كبيرة مع السيستاني المرجع الشيعيّ النجفيّ الكبير وخليفة الإمام الخوئي، وربّما يكون أتباع الصّدر هم الذين قتلوا عبد المجيد الخوئي ابن الإمام أبو القاسم الخوئي، وربّما يكون من أسباب الخلاف الموارد والهبات الماليّة التي تتلقاها الحوزة وإدارة المساجد والمقامات الشيعيّة، وهي مبالغ كبيرة يديرها ويسيطر عليها السيستاني، ويريد الصّدر أنْ يشارك في السيطرة عليها.
ويدير الصّدر عمله وجماعاته على شكل مكتب له يسميه أتباعه "الحوزة العلميّة الناطقة" في إشارة هجائيّة لعلي السيستاني الذي يلقب "بالحوزة الصامتة"، والذي يمتنع عن الظهور والتصريح لوسائل الإعلام، ويتبع له مجموعة من المشايخ الشبّان وشبكة من المكاتب والحُسَيْنيّات والمساجد والمؤسّسات الشيعيّة، وبرغم أنّ مقتدى شاب حديث العهد، وربّما يكون قليل الخبرة فإنه محاط بمجموعة من المشايخ والقيادات الشيعيّة من أتباع والده صادق الصّدر.
يتحدث أتباع الصّدر عن عراقيّة الصّدر، وأنّه الأجدر بالقيادة من السيستاني غير العراقيّ، ويعتقدون بصعوبة أنْ يتّبع الشّيعة العراقيّون لغير عراقيّ، برغم أن الصّدر يتبع لكاظم الحائري المقيم في إيران، أي أنه في المحصلة برغم عراقيّته فإنّ مرجعيّته السياسيّة والعلميّة ربّما تكون إيرانيّة، ويعتقد البعض أنّ إيران قد تكون ترى في الصّدر بديلا للحكيم يكون تابعًا لها، ومن المعلوم أنً الصّدر كان قد زار إيران بناء على دعوة رسميّة وجّهت إليه من إيران.
ويسيطر أتباع الصّدر على منطقة الثورة والتي سمّيت بمدينة الصّدر، وينظمون فيها السير، ويحمون المرافق العامة، ويقال أيضا: إنّهم قاموا بحملة تصفيات لمناصري النّظام السابق، ونهبوا بضائع ومواد كثيرة من المحلات التجاريّة والمرافق العامّة، ويتولى أتباع الصّدر أيضا تنظيم خدمات الإغاثة والرعاية الصحيّة، وقاموا بنهب محتويات المستشفيات والمستوصفات ومستودعات الهلال الأحمر العراقي وجعلوا كل هذه المعدات والمواد تحت سيطرتهم وإدارتهم المباشرة.
وكانت مدينة الثورة أو الصّدر التي يتركز فيها أنصار مقتدى الصّدر حتى الانتفاضة الأخيرة للشيعة من أكثر مناطق بغداد أمنًا بالنسبة للأمريكيّين، إذ لم تُنفّذ فيها عمليّة واحدة ضدّهم منذ دخولهم بغداد. وتبدو الدوريّات الأمريكيّة فيها أقلّ حذرًا، ولم تشهد مداهمات فعليّة من قوات التحالف.
انتفاضة الشّيعة من أتباع الصّدر
تعتبر انتفاضة الشّيعة التي بدأت مع اعتقال الشيخ اليعقوبي أحد أهم القادة الدينيّين والسياسيّين ممن يعمل مع الصّدر ثم إصدار مذكرة اعتقال بحقّ مقتدى الصّدر لاتّهامه بالضلوع في مقتل عبد المجيد الخوئي قبل أكثر من عام، وكان الخوئي قد عاد مع قوّات الاحتلال الأمريكيّ ودخل إلى النّجف في الأيام الأولى لوصول القوّات الأمريكيّة، ولكنه قتل بعد وصوله بأيام قليلة على يد من يُعتقد أنّهم أتباع الصّدر.
وقد جرت مواجهات مسلحة -في الشهور السابقة- مع القوّات الأمريكيّة التي حاولت اقتحام مدينة الصّدر التي يسيطر عليها أتباع الصّدر، وقصفت بالطائرات، وقُتِل عدد من الجنود الأمريكان، كما استشهد وجرح عدد كبير من العراقيّين الذين رفضو اعتقال الصّدر، وطالبوا بالإفراج عن المعتقلين وعلى رأسهم الشيخ اليعقوبي، والسّؤال: هل كانت الانتفاضة السّابقة وتجدّد الاشتباكات مؤخّرًا في سياق التصدّي لاعتقال الصّدر والمطالبة بالإفراج عن اليعقوبي؟ أم أنّها كانت بضغوط إيرانيّة على الولايات المتحدة لإنهاء ملف الحصار على إيران، وتسوية الشأن العراقيّ على نحو يعطي لإيران تأثيرًا كبيرًا في العراق؟
لقد أصبحت القوّات الأمريكيّة قريبة جدًّا من إيران بعد دخولها أفغانستان ثم العراق، فهل يشكّل ذلك فرصة لإيران للضّغط على الولايات المتحدة؟ أم أنّها تمهيد للحرب الأمريكيّة على إيران؟ إنّ الأوضاع العسكريّة للولايات المتحدة في العراق والمقاومة التي لقيتها، والانتخابات القادمة ترجح أنّها (الولايات المتحدة) غير مستعدّة لمغامرة عسكريّة جديدة، وربّما تكون حربها على العراق آخر الحروب العسكريّة، وأنّها ليست مستعدة لفتح جبهة جديدة أكبر وأخطر من جبهة العراق، ولا يتقبّل الناخب الأمريكيّ مبرّرات هذه الحرب، وبخاصّة أنّ الإدارة الأمريكيّة تواجه كما يبدو مأزقًا أخلاقيًّا وسياسيًّا أمام الرأي العام الأمريكيّ والأوروبيّ والعالميّ فيما يبدو افتعال مبرّرات للحرب على العراق، وقد تبدّت مؤشّرات هذا التحوّل في الانتخابات الإسبانيّة التي أطاحت بالحكومة الإسبانيّة المشاركة للولايات المتحدة في حربها على العراق والمتحالفة معها، وفي استطلاع للرأي العام في الولايات المتحدة كشف عن عدم قناعة أوروبيّة بسياسات الولايات المتحدة، وأنّ الخطر الأول على السلام العالميّ هو إسرائيل ثم الولايات المتحدة، وأنّ الإرهاب المزعوم لا يشكّل أولويّة أو قضيّة أساسيّة لدى الشارع الأوروبيّ.
ومن الطبيعي أنْ يشعر النظام السياسيّ في إيران بأنّ مرحلة ما بعد احتلال العراق تمثل ضغطًا مباشرًا وتهديدًا كبيرًا، ولكن من المؤكّد أنّ ثمّة مصالح أمريكيّة وإيرانيّة متطابقة، مثل الحد من الطموحات الكرديّة، وضبط الشّيعة في العراق والخليج الذي سيجعل إيران مركزًا مرجعيًّا للشيعة خارج إيران، ويتيح للولايات المتحدة فرصة للحوار مع مرجعيّة مركزيّة قابلة للضغط والأخذ والعطاء، فربّما تكون مشكلتها مع المقاومة السّنية أنّها بلا مرجعيّة مركزيّة ولا قيادة أو دولة مرجعيّة لها مصالح وتطلّعات ومخاوف، وهي أيضا مشكلتها مع القاعدة، ففي عهد الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي لم يحدث أنْ قامت المنظمات اليساريّة والثوريّة المدعومة من قبل الاتحاد السوفيتي بعمل مثل جرأة واندفاع تفجير مركز التجارة العالميّة؛ لأن المركزيّة السوفيتيّة وتأثيرها على هذه المنظمات جعلها محكومة بحسابات ومصالح دولة عظمى ومخاوفها أيضا، ولكنّ القاعدة والمنظّمات الإسلاميّة لا تدافع عن شيء تخشى عليه ممّا تحرص عليه الدّول وتتطلّع إليه أو تخشاه وتحسب حسابه.