كانت أحداث سبتمبر 2001 وبالاً كبيرًا على المجتمع الدوليّ عامة وعلى العالمين العربي والإسلاميّ خاصة ؛ وأصبح المسلمون الموجودون في كل أنحاء الكرة الأرضيّة ضحايا هذه الأحداث التي لا يزال المتسبّب فيها مجهولاً ..
وقد طرح الحدث الذي تمرّ ثلاث سنوات على وقوعه العديد من التساؤلات حول من هم أبرز ضحايا هذا الحادث التي استغله اليمين الأمريكيّ للسيطرة على العالم وإعادة رسم خريطة العالم بما يحقّق مصالح أمريكا المطلقة بدون النظر إلى قواعد القانون الدوليّ لا إلى الأمم المتحدة ولا غيرها..
في البداية يؤكّد السفير إبراهيم يسري الدبلوماسي والمحلّل السياسيّ أنّ العرب والمسلمين كانوا على رأس ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما زالوا هم الخاسر الأول من هذه الأحداث، ومنذ أنْ صنّف بوش العالم صنفين إمّا مع أمريكا أو ضدّها .. وأشار السفير يسري على أنّ الحركات الإسلاميّة كانت أكبر المتضررين من هذه الأحداث؛ فالعديد منها مثل الجهاد الإسلاميّ، وحماس في فلسطين والتنظيم الدوليّ للإخوان المسلمين تمّ إدراجهم في القائمة الدوليّة للإرهاب . وحُرمت المقاومة الإسلاميّة في فلسطين من كافّة أنواع الدّعم والمساندة الماليّة والسياسيّة نتيجة هذه الأحداث رغبة من الدّول العربيّة في تلافي غضب الأمريكي ونتيجة لهذه الأحداث تراجعت قدرة هذه الحركات على إحداث نوع من التوازن مع إسرائيل وتركت الشعب الفلسطينيّ نسبيًا للمؤامرة الصهيونيّة .
فقراء العالم الإسلاميّ
وشدد السفير يسري على أنّ فقراء العالم الإسلاميّ كانوا من أشدّ الخاسرين من هذه الأحداث نتيجة الحملة الأمريكيّة على المنظمات الخيرية و الإغاثيّة التي وُجّهت لها ضربة قاسية بسبب هذه الأحداث، وتمّ طردها من أغلب الأماكن التي كانت تمارس دورها فيها في إطار تسديد فاتورة الحرب على الإرهاب من ناحية، ولترك الميدان بالكامل لحركات التنصير تعيث فسادًا في العالم الإسلاميّ.
أما الدكتور بهجت قرني أستاذ العلاقات الدوليّة بالجامعة الأمريكيّة بالقاهرة؛ فأكّد بصورة أكثر تفصيلاً أنّ القضية الفلسطينيّة كانت الخاسر الأكبر بعد مرور أكثر من (3) أعوام على تفجير مركز التجارة العالميّ ومقر البنتاجون في واشنطن ونيويورك؛ فقد تراجع الدعم الدوليّ للقضية ونجحت إسرائيل في تشويه القضيّة ومحاولة دمغها بالإرهاب، وحصرها في مجرد الانسحاب من غزة وبعض المستوطنات من الضّفة الغربيّة .
ثم إن العالم الإسلاميّ جميعه كان أكبر الضحايا ؛ فقد استغلّت واشنطن الأحداث واحتلّت أفغانستان والعراق ، وأطاحت بكلّ أشكال الشرعيّة الدوليّة واستغلّت سيطرتها على مجلس الأمن لتسويغ الاحتلال وشرعيّته والسّطو على ثروات الدّول الإسلاميّة سواء في الخليج العربيّ أو في آسيا الوسطى؛ ففي كلّ يوم منذ وقوع هذه الأحداث تتعاظم مكاسب واشنطن، وتزداد خسائر العرب والمسلمين ؛ فهذه الأحداث كرّست الضّعف والمهانة التي تعاني منها ، وأضعفت إلى حد كبير المنظّمات الإقليميّة سواء الجامعة العربيّة أو منظّمة المؤتمر الإسلاميّ وجعلتهم ألعوبة في يديها لخدمة أهدافها .
ويتوقع "قرني" في الذكرى الثالثة لأحداث 11 سبتمبر أنْ تستمرّ الدول العربيّة في دفع فاتورة هذه الأحداث ، كما أنّ الضّغوط على دول عديدة وعلى رأسها سوريا وإيران وليبيا ستزداد ، وكلّ ذلك لا هدف له إلا ابتزاز هذه الدّول وخصوصًا إيران للتعاون بشكل كامل مع الوكالة الدوليّة للطّاقة الذريّة لحرمانها من أيّ مصدر للقوّة لصالح أمن الكيان الصهيونيّ .
ثمن باهظ
فيما شدّد الدكتور أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسيّة بجامعة القاهرة على أنّ الجاليات الإسلاميّة المتواجدة بأمريكا والدّول الأوروبيّة دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة هذه الأحداث ؛ فالاتّهامات المتوالية بالإرهاب ، وتزايد حالات التّمييز ضدّهم في الاتّهام بالإرهاب .. كما أنّ مؤامرات اللوبي الصهيوني لتأجيج المشاعر ضدّهم لا تتوقّف من أجل إفشال أيّ نجاحات حقّقتها هذه الجاليات في العديد من الدّول ونتيجة لجهود الصهيونيّة العالميّة فشلت العديد من الجاليات في الاندماج في مجتمعاتها التي تعيش فيها .. وشدّد الدكتور ثابت على أنّ أحداث سبتمبر خلّفت وراءها أنواعًا من الضحايا أو "الضحايا المباشرون" الذين أصابتهم الكارثة، وكان من قدرهم أنْ يكونوا في مكان الحادث ، وثاني الضّحايا هم شعوب الدول العربية والإسلاميّة التي استغلّت واشنطن هذه الأحداث للتدخل في أبسط شؤونهم والمحاولة السافرة لتذويب هُوِيّتهم عن طريق العبث بقيمهم الدينيّة والاجتماعيّة عن طريق عناوين براقة مثل "تطوير الخطاب الديني"، "مشروع تحديث الشرق الأوسط الكبير" و"مبادرة كولن باول لدعم الديمقراطيّة" . وكلّها حجج أمريكيّة للسيطرة على ثروات المنطقة وابتزاز نظمها السياسية لتقديم تنازلات تخدم المصالح الأمريكيّة .
أما الحركات الإسلاميّة فحدّث ولا حرج عن خسائرها، فبعضها أدرجته واشنطن في قوائم الإرهاب، وآخرون أجبرتهم الأحداث على تعديل أفكارهم بطريقة جذريّة ، والبعض الآخر تم احتواؤهم ولم يعد لهم دور في الساحة .. وأوضح "ثابت": إنّ انتهاك حقوق الإنسان في العالم كان من أبرز ضحايا هذه الأحداث عن طريق قوانين الإرهاب التي تمّت صياغتها للتضييق على هامش الحرّيات تحت ذرائع أمنيّة وانتهكت حريّة المواطنين سواء الأجانب أو الأقليّات التي تعيش في أمريكا ، ويقف في صفوف الضحايا أسرى جوانتانامو الذين عاملتهم واشنطن كحيوانات لا تستحقّ أدنى حقوق رغم أنّ القانون الدوليّ اعتبرهم أسرى حرب ، ولكن أين القانون الدوليّ حاليًا؟ أضاعته الأحداث، وصار من مخلّفات العهود السابقة .
أهداف لم تتحقق
فيما يرى اللواء محمود خلف الخبير الاستراتيجي أنّ واشنطن استغلّت أحداث سبتمبر لتنفيذ أجندة موضوعة من زمن طويل، واتخذتها ذريعة لتبرير ما يحدث بعدها، فاحتلّت أفغانستان وبعدها العراق تحت شعار الحرب على الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، وكلا الشعارين لم تحقّق واشنطن من ورائها نتائج ملموسة؛ فلا الحرب على تنظيم القاعدة أدّت إلى القضاء عليه، ولا أصبحت أفغانستان دولة ديمقراطيّة، كما أنّ الأوضاع في العراق تزداد سوءًا لدرجة أنّ كثيرين من المحلّلين الاستراتيجيّين أكّدوا أنّ الأسوأ لم يأتِ بعد في العراق للأمريكيّين ، وأنّ هناك سيناريوهات كارثيّة تنتظر القوات الأمريكيّة هناك .
وعبّر د. خلف عن يقينه بأنّ الأهداف التي سعت واشنطن إلى تحقيقها منذ أحداث سبتمبر لم تتحقّق ؛ فرغم استهداف الحركات الإسلاميّة سواء الراديكاليّة أو المعتدلة على حدّ سواء ؛ فلا تزال هذه الحركات قادرة على المواجهة، وإنْ كانت بصورة أقلّ حِدّة عن السابق للمخطّطات الأمريكيّة، ودحرها وتهديد مصالحها ومصالح حلفائها وإسقاطهم ، كما حدث بعد تفجيرات أسبانيا. إنّ العراق تحول بؤرة لإفشال المشروع الأمريكيّ في الشرق الأوسط .
أبدى د. خلف تفاؤله بقدرة العالم العربيّ والإسلاميّ على تجاوز المحنة الصّعبة التي يعاني منها منذ أحداث سبتمبر لكن بشرط صياغة حدّ أدنى من التضامن، ودعم المقاومة في العراق وفلسطين بكل قوّة وتوجيه رسالة للشعب الأمريكيّ مضمونها أنّ اليمين المحافظ الذي خطّط لأحداث سبتمبر يضرّ بمصلحة الأمريكان، وأسهم في خلق عداء واضح لواشنطن في العالمين الإسلاميّ والعربيّ .. فإذا نجحنا في ذلك فنستطيع تجاوز هذه الأحداث وجَعْل الشعب الأمريكيّ يفكّر مليًّا في مصير الطّغمة اليمينيّة المسيطرة على الأوضاع هناك ..
الرعب الأمريكيّ
وشدد الدكتور "محمد سليم العوا" المفكر الإسلاميّ المعروف أنّ أمريكا وليس العالم العربيّ ستعدّ لخاسر الأكبر من وراء الأحداث؛ فبعد احتلالها للعراق وأفغانستان تصاعدت الكراهية لها بشدّة في جميع أنحاء العالم، وصار الأمريكيّ ينظر إليه على أنّه الرجل الأبيض المكروه، وأثبتت التطوّرات الأخيرة كذب وفشل ادعاءات الرئيس بوش بأنّ العالم أصبح أكثر أمانًا بعد احتلال العراق وأفغانستان بل أصبح الشعب الأمريكيّ مسترعبًا ولا يشعر بالأمان . صحيح أنّهم حقّقوا بعد النجاحات ولكنّها تكتيكية وليست استراتيجيّة بل إنّهم سيدفعون ثمنًا باهظًا للمغامرات التي استغلّوا أحداث سبتمبر للقيام بها؛ ورغم أنّ "العوا" أكّد أنّ العرب والمسلمين كانوا أبرز الخاسرين ، كما تعرّضت صورة الإسلام للتشويه، واستنزفت أمريكا ثروات المسلمين من العراق إلى دول آسيا الوسطى الإسلاميّة إلا أنّ هناك بصيص أمل، وأنّنا نستطيع تجاوز هذه الأحداث ؛ فليس خافيًا على أحد أنّ الإسلام قد تزايد الإقبال عليه بصورة متعاظمة لفهمه لدرجة أنّ معدل اعتناق الإسلام بعد الأحداث زاد على 50 ألف حالة في أمريكا سنويًا .. وكما أنّ النجاحات تتعاظم في أوروبا، وفشلت واشنطن في تحقيق أهدافها في تذويب هويّة الأمّة الإسلاميّة، ورفضت دولها مشروع "الأمركة" الذي أُطلق عليه مجازًا مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ فنحن رغم كوننا الخاسر الأكبر إلا أنّنا ما زالت لدينا القوّة ولو بصورة أقلّ، بل إنّنا سنتقدّم للأمام لدحر كلّ محاولات تشويهنا وتذويب هُوِيّتنا .