|
شاهد ملك
في علم الجريمة وفي ملفات القضاء، وما هو متعارف عليه أن هناك ما يطلق عليه الشاهد الملك، وهو الشاهد الذي يكون داخلاً بالجريمة أصلاً، ولكنه يشهد على زملائه المشاركين معه بالجريمة، مقابل امتيازات خاصة، هذه الامتيازات يتفق معه عليها، خاصة عندما تكون الجريمة كبيرة جداً، كجرائم القتل والسطو واستباحة أرواح وأعراض الناس، أو الجرائم السياسية كجرائم تغيير الأنظمة بالقوة، وحياكة المؤامرات وما إليها.
هذا الشاهد يقع على عاتقه ثقل كبير أثناء المحاكمة، فهو مع كل متهم لابد أن يكون موجوداً، وعليه أن يكون يقظا جدا للتفاصيل التي لاشك سيورطه محامو الدفاع بها، كما يجب أن لا تتناقض أقواله لأن كل شك المفروض يفسر لصالح المتهم.
طبعاً أنا لا أفهم إلا عموميات في المحاماة والقوانين الدولية أو الجزائية، وفهمي بها لا يتعدى فهم جدتي لقانون حفظ الأكل من لحس الأفاعي.
وهنا لا أتفلسف ولا أدعي ما لا علم لي به، لكنني عندما كتبت مقالي (عنان، ليته صمت) كنت منفعلة جدا بسبب تصريح عنان المتأخر، وصمته الذي دمر دولة بكاملها، صحيح صمته أو نطقه لا يمكن أن يفيد شيئا أمام إصرار آلة الحرب الأمريكية على فعلها، وتفتح الطرق المجاورة للعراق لها. إلا أن ذاك سيربكها كثيراً جداً، وربما ؟ أخر الحرب، كما أن قيام عنان بنفسه بإصدار أمره للهيئات الدولية المرابطة على الحدود العراقية الكويتية بالمغادرة، كان نوعا ليس من الموافقة المطلقة لكنها الموافقة الضمنية. كذا سكوته على هدم العازل بين الكويت والعراق وانطلاق القوات بالكثافة التي شاهدناها، وصمته عن ذاك هو ليس صمت العاجز بقدر ما يفسر أنه دليل الرضا.
وبما أن عنان قد نطق، وهذا النطق مسجل وكلنا سمعناه، وكلنا شهود على ما سمعنا، فالدور الآن يجب أن تقوم به الهيئات الدولية المحايدة، ومنها دول عدم الانحياز، الجامعة العربية، المحامون العراقيون، ولجنة الدفاع عن الشعب العراقي. ونقابة المحامين العرب.
أدلة الإثبات في الجريمة الكبرى كبيرة ومتوفرة جهارا وواضحة بتلال الضحايا الذين فاقوا العشرة آلاف روح عراقية أزهقت، وأضعافهم من المعاقين. التشرد والدمار، البنية التحتية وسرقة البترول والآثار، مجرد شريط تلفزيوني للأيام الأولى يكفي أي محكمة أو هيئة محامين لتثبت الجريمة أصلاً. وشهادة عنان، تثقلها وتؤكدها فقط.
ولو تركنا الجرائم الدائرة في مذبحة عامة يومية لشعب العراق، والمفروض قوة الاحتلال تحميه ولا تدمره، ورجعنا للأسباب والمسببات التي طرحوها لدخولهم حرب تدمير العراق ونهبه،لرأينا أن تقاريرهم أنفسهم نفتها، الأول علاقة العراق بالقاعدة، والعراق كان بينه وبين القاعدة ما صنع الحداد. وذاك معروف، فالعراق لم يكن يركز على الدين إلا في أواخر أيام صدام، بينما القاعدة تتشدد بأمور قد تعتبر جزئية، بل كفّرت القاعدة صدام في وقت من الأوقات، راحت أمريكا تحيك وتربط بين صدام والقاعدة ونسف البنتاجون والبرجين، ورغم أنه لتاريخه، لم يجر ما يقنع ويدلل على أن القاعدة فعلتها، فقد اكتفوا باعتراف من ابن لادن هو أقرب للتشفي، وهو اعتراف بالكلام فقط، ولو سلمنا أن القاعدة فعلتها، فالعراق لم يشارك ولم يفعلها، وتقاريرهم نفت ذلك، إذاً السبب الأول طار، والسبب الثاني هو أسلحة الدمار الشامل، وهي منفية قبل الحرب، نفاها المفتشون الدوليون، وعندما فبرك "باول" وزير خارجيتهم كلمته في الأمم المتحدة وكذا بلير، لم يكن الأمر ليقنع تلميذاً في المرحلة الثانوية، ونذكر أن طالب ماجستير اشتكاهم لسرقتهم رسالته.
إذا هناك كذبتان لشن الحرب، مدحوضتان قبلها وبعدها، وشاهد ملك أعلن على الملأ كلمته. وبقي دور الهيئات الدولية والقضائية والمحامين العرب وغير العرب.
ويجب أن لا تلهينا دار فور عن العراق، ولا تجهيز لبنان على مائدة الأمريكان أو سوريا أوكلتيهما مع بعضهما، فالعراق يجب أن تأخذ أموره مجراها، وسوريا ولبنان ودار فور يأخذن مجاريهن، ولكن الركض وراء قضية وترك قضية يجعلنا كل مرة نفلت بلداً، لنلحق آخر. الشاهد الملك واقف، لا تدعوه يجلس.
|