"أعرف أنه سبقني إلى هنا (إسرائيل) مسؤولون عراقيون قاموا بزيارات سرية, ولست أنا أول شخص قام بهذه الزيارة, لكنني أول عراقي يقوم بزيارة علنية إلى إسرائيل" هذا التصريح لم يكن صادراً عن أحد وزراء البلاد العربية التي تقيم علاقات مع إسرائيل، وإنما جاء من "مثال الألوسي" بعد زيارته الشهيرة إلى إسرئيل.
لقد دشّنت هذه الزيارة مرحلة جديدة من التعاون الإسرئيلي العراقي هو الأول من نوعه بعد احتلال بغداد، وربما تكون تلك الزيارة العلنية مغامرة شخصية غير مبرّرة، ولكنها –حتماً- فتحت المجال أمام الكثير من العلاقات والزيارات المستقبلية في الميدان العراقي الإسرائيلي.
تأتي هذه الزيارة، ومن بعدها المصافحة بين رئيس الحكومة العراقية إياد علاوي، ووزير الخارجية الإسرائيلي (سلفيان شالوم) في ظل استمرار (بحر الدم) العراقي المتواصل على يد القوات الأمريكية والبريطانية، وفي ظل تصاعد عمليات المقاومة، وكأن المصافحة ومن قبلها الزيارة تأتي في سياق "اعتذار" عراقي رسمي عمّا قام به العراق إبان حرب الخليج الأولى من قصف إسرئيل بالصواريخ، واعتذاراً عن هجوم العراق على إسرائيل أبان حرب 1948م ورفضه توقيع اتفاقية الهدنه مع إسرئيل على عكس باقي الدول العربيّة.
عراقياً، نشرت صحيفة "دار السلام" العراقية الصادرة عن "الحزب الإسلامي" العراقي في عددها رقم 64 خبراً عن إعلان عائلة الألوسي "تبرّؤها من مثال الألوسي بسبب زيارته لإسرائيل"، وأكدّت العائلة "أن زيارة مثال الألوسي لإسرائيل عملٌ مُخزٍ، وغير مشرّف، ويستوجب البراءة الكاملة".
أما في إسرائيل فقد رحّبت الصّحف العبريّة بالزيارة والمصافحة؛ ففي صحيفة (جيروساليم بوست) التي ذكرت في تقرير لها على موقعها الإلكتروني بتاريخ 21-9-2004 أن "فكرة العلاقات الإسرائيلية العراقية التي كانت أمراً غير متخيّل أيام حكم صدام حسين عادت للأذهان عندما تصافح شالوم مع علاوي، وتبادلا الحديث لمدة دقيقتين في مقرّ الأمم المتحدة ".
وأشارت صحيفة (يديعوت أحرونوت) أنه عقب سقوط نظام صدام حسين في إبريل 2003، ظهرت تقارير صحفية أشارت إلى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين وعراقيين حول إمكانية "تدفئة العلاقات" بين العدوّين القديمين، وإمكانية دفع تعويضات للإسرائيليين الذين هاجروا من العراق، وصُودرت ممتلكاتهم.
لقد نشطت بعض فصائل المعارضة العراقية، واهتمت بإقامة علاقات مع إسرائيل قبل وبعد الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، في محاولة لاسترضاء واشنطن؛ فكل يوم تكشف فيه الأحداث أن العديد من مسؤولي المعارضة العراقية زاروا إسرائيل، وقد كشفت صحيفتا (هآرتس) و(يدعوت أحرنوت) الإسرائيليتان في تقرير مطول نشر في ديسمبر 2003 عن قيام (16) شخصية عراقية معارضة بالتشاور مع إسرائيل لوضع ملامح "عراق ما بعد صدام"، نُظّمت خلالها ورش عمل، وحلقات دراسية تُعلّم الحاضرين العراقيين كيفية تحويل النظام الدكتاتوري إلى نظام ديموقراطي، وذلك عبر مراكز أبحاث، ومعاهد دراسية مرتبطة باللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
ويُعد أحمد الجلبي عرّاب هذه العلاقات، ونصير التعاون مع الإسرائيليين، فهو من أكثر المتحمسين لها، ونُقل عنه قوله لصحيفة (آيل سول) الإيطالية: إن العراق بعد صدام حسين سيعمل على إقامة علاقات سلام طبيعية مع جيرانه، بما في ذلك "إسرائيل"، وفي محاضرة ألقاها في واشنطن في "معهد أميركان انتربرايز" قال الجلبي رداً على سؤال عن العلاقات المتوقعة مع إسرائيل بعد إسقاط صدام: "إن إسرائيل لم تظهر الودّ أبداً للمعارضة العراقية؛ إذن يجب عليهم ألا يتكالبوا علينا بعد أن نصل إلى الحكم".
إن الوجود الإسرائيلي في العراق بات حقيقة واقعة لا تقبل الشكّ أو التأويل، وأكد هذا التغلغل وزير التجارة العرقي محمد الجبوري في الحكومة العراقية المؤقتة حين قال: إن عدداً من الشركات الإسرائيلية تمكّنت من الفوز بعقود ضمن عمليات إعمار العراق، وهي خمس شركات، شركة (دان) التي تتولى تصدير الحافلات القديمة، وشركة (روينتكس) المصدّرة للمعاطف الواقية من الرصاص وشركة (شيريونت حوسيم) المصدرة للأبواب، وشركة (طيمور) المختصة بصناعة الأصبغة، وشركة (تاميخوز) المختصة بتنقية المياه.
ويبدو أن الأيام القادمة ستشهد تتابعاً في الزيارات لمسؤولين عراقيين، وربما إقامة علاقات، ولكن دون المستوى الرسمي العلني، ويستدلّ على ذلك بما قاله السفير العراقي في لندن صلاح الشيخلي لمراسل صحيفة (هأرتس): "إن هناك مجموعة ضغط قوية من رجال الأعمال والمسؤوليين السياسيين في العراق تعمل في بغداد -وبكل الوسائل- للضغط من أجل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل والتسريع بها، وبضمنهم موظفون كبار في الحكومة العراقية المؤقتة".
وأخيراً ما الذي سيجنيه العراق من هذه العلاقة؟ وهل سوف تفتح إسرائيل جامعاتها العلمية لدراسة الشباب العراقي؟ وهل سوف يتمّ الاستفادة من الخبرات التكنلوجية المتطورة في الزراعة والصناعة التي تستخدمها إسرائيل؟
إن فتح الأبواب للإسرائيليين في العراق ليس إلا لتطويق العراق، والوصول إلى منابع النفط، وإعادة إحياء خط الموصل حيفا، وقبل هذا وبعده لبث الفساد في العراق، حتى لا تقوم للعراقيين قائمة بعد أن يكون الاحتلال العسكري الأمريكي والبريطاني قد أنهك الأرض والإنسان، وعندها تتوسع دولة إسرائيل إلى الفرات...