قبيل أيام فاصلة عن الانتحابيات الأمريكية والمناظرات الإعلامية والدعائية، حدثت بعض الأمور التي تحتاج للتنبه والتحليل والتفسير، ولعل أولى هذه الحالات كانت بطلب تقدم به الديمقراطيون يقضي بضرورة نزاهة الانتخابات الأمريكية؛ حيث كُشِف النقاب مبكراً عن محاولات تجري للتلاعب بأسماء الناخبين الأمريكيين من قبل الشركات التي تولت إدارة بعض العمليات الانتخابية ولصالح الرئيس الأمريكي جورج بوش .
هذا المؤشر يعكس جملة من المخاوف ليس على الصعيد الشعبي الأمريكي بل مخاوف تصل إلى قيادات الحزب الجمهوري؛ الأمر الذي يؤكد إن ثمة شكوكاً متصلة بانتخاب الرئيس الأمريكي نفسه في المرة الماضية، والتي كشفت النقاب عن وضع غير اعتيادي جرى في الانتخابات الأمريكية، مما أعطى انطباعاً عاماً بأن الانتخابات لم تكن نزيهة، وأن بوش نجح بقرار داخلي تم التوافق عليه بين اللجان الانتخابية المسؤولة عن الانتخابات.
ولم يتوقف الأمر على هذا العامل فقط، وإنما حدثت أشياء تبدو غير اعتيادية؛ فقد أعلنت صحيفة نيويورك تايمز الواسعة الانتشار في افتتاحيتها بأن ولاية بوش كانت كارثية على الولايات المتحدة، فأكدت على أن جون كيري يمتلك مواصفات وقدرات ومؤهلات ذاتية تمكنه من أن يصبح رئيساً تنفيذياً ناجحاً بكل المقاييس، وليس مجرد رئيس يسعى لتحسين الأحوال والظروف العامة.
النيويورك تايمز لم تبقِ لبوش ما يمكن أن يدافع به عن نفسه، فقد انتقدت سياساته في العراق وموقفه من الحقوق المدنية، وقالت بالقلم العريض: لقد انكشف زيف ادعاءاته ، وأن مستشاريه أساؤوا تقديمه أو قدموه كألعوبة بينهم لدرجة أنه أحرج قادة العالم العربي والإسلامي وقوى الاعتدال والديمقراطية، ولطخها أمام الرأي العام بسبب ازدواجية المعايير السياسية المتبعة، وأنه دفع العالم بحماقته للبحث والعمل على امتلاك أسلحة الدمار الشامل أو ما شابهها من أسلحة لمقاومة سياسة بوش الخارجية وإبطال مفعولها.
هذا المؤشر السلبي تبعه مؤشر أكثر صراحة ووضوحاً عندما قامت صحيفة هآرتس وبالتعاون مع صحيفة اللومند الفرنسية والغارديان البريطانية وأساهي شيمفون اليابانية والبايس الأسبانية بتنظيم استطلاع حول: مَن تفضل من المرشحين بوش وكيري لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؟ فجاءت النتائج صاعقة جداً على الحزب الجمهوري حيث أكد الاستطلاع على أن الرأي العام العالمي يرى بأن الرئيس الأمريكي جورج بوش شخص سلبي ولا يستحق الفوز بالانتخابات التي ستجري في الثاني من شهر تشرين الثاني القادم.
وكشف الاستطلاع عن حالة العداء التي يكنها الرأي العام للرئيس الأمريكي بوش مؤكداً في الوقت ذاته عن دعمه لمنافسه جون كيري؛ ففي فرنسا بلغ مؤيدو كيري بنحو 72% وبوش 16% وفي كوريا الجنوبية 68% بينما حصل بوش على 18% وفي كندا حصل كيري على 60% بينما حصل بوش على 20% إلا إسرائيل الوحيدة من بين الدول التي أُجري فيها الاستطلاع حصل فيها كيري على 24% بينما حصل بوش على 50%، وحول الانطباع العام عن شخصية الرئيس الأمريكي جورج بوش فقد جاءت نتائج الاستطلاع في فرنسا 77% يعتبرونه شخصاً سلبياً و31% يعتبرونه إيجابياً وفي كوريا الجنوبية 75% يعتبرونه سلبياً و21% يعتبرونه إيجابياً، وفي كندا 72% سلبي، و23% إيجابي وفي إسرائيل وعلى خلاف دول العالم فقد جاءت نتائج الاستطلاع مخالفة 24% يعتبرونه شخصاً سلبياً و70% يعتبرونه شخصية إيجابية جدا، فيما حصل كيري على نسب أقل درجة؛ فقد كانت نسب الاستطلاع حول شخصيته في إسرائيل 21% شخص إيجابي و 23% شخص سلبي، وحول قرار احتلال العراق فقد اعتبره 85% من الكوريين الجنوبيين قراراً خاطئاً بينما اعتبره 11% قراراً صائباً وفي إسرائيل فقد كانت النتائج مغايرة تماماً لمنوال الاستطلاع بشكل عام؛ حيث اعتبر 26% قرار احتلال العراق قراراً خاطئاً بينما اعتبره 68% قراراً صائباً للغاية.
وأكد استطلاع آخر للحزب الديمقراطي أكد بأن بوش سيحصل على ما نسبته 30% من أصوات اليهود على خلاف الانتخابات الماضية حيث حصل بوش على 19% فقط من هذه الأصوات، حيث يشكل اليهود 2% من أعداد الناخبين، إلا أن قوة ونفوذ اللوبي اليهودي ناجمة عن السيطرة على وسائل الإعلام والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، غير أن المؤشرات تؤكد أن أكثر من 50% من تمويل ميزانية الحملة الانتخابية للمرشح الديمقراطي جون كيري يمولها الأثرياء اليهود، بالرغم من التأييد العلني لسياسة بوش لحكومة شارون.
يبدو أن الأيام المقبلة ستكون فاصلة جداً، وعلى ما يبدو أيضا فإن حظوظ بوش لم تكن كما هو متوقع، فقد نجح المرشح الديمقراطي في تقديم نفسه كرجل حكم وصانع قرار ، بينما أكد جورج بوش بأنه سيدفع ثمن أخطائه السياسية دفعة واحدة، إلا إن هذا يتوقف على الطريقة التي تحكم الانتخابات الأمريكية من ناحية، وعلى فعالية القوى الجديدة في المجتمع وبخاصة الأقليات التي أصبحت تبدي اهتماماً ملحوظاً بالانتخابات الأمريكية