كان العراق أمس الأول ساحة حرب حقيقية خلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى من المواطنين العراقيين، وأحدثت المزيد من الدمار والخراب في المدن والبلدات العراقية، لدرجة لم يعد ثمة في أرض السواد من يأمن على نفسه وعائلته وذويه من بطش جيش الاحتلال الأمريكي الذي بدأ حرب إبادة فعلية في العراق، من المؤمل أمريكياً أن تعيد هذا البلد إلى العصر الحجري بعد القضاء على معالمه الحضارية، والثقافية، والفنية، والعمرانية، والتاريخية، وتدمير مؤسساته الوطنية الرسمية، والأهلية، وتخريب بنيته التحتية من ماء، وكهرباء، وشبكات صرف صحي، وتعليم، وخدمات أساسية أخرى، تماماً كما تفعل "اسرائيل" في فلسطين المحتلة.
فبعد تدمير النجف و"مدينة الصدر" والكوفة، ها هو الجيش الأمريكي يعاود البدء بالهجوم على الفلوجة ويقصفها بأحدث ما لديه من أسلحة الدمار والفتك، ثم يمتد بذراعه الطويلة إلى الموصل وتلعفر واللطيفية وكركوك والبصرة ليضرب هذه المدن بكل ما أوتي من قوة وبطش، تحت ذريعة القضاء على من تسميهم بـ"الإرهابيين" في هذه المدن، ومن يدري ما هي الخطوة التالية في مسلسل الإجرام الأمريكي في العراق؟، والذي تشير كل الدلائل إلى أن ثمة مخططاً أمريكياً صهيونياً لضرب وتدمير كل المدن العراقية، بهدف إرغامها على الاستسلام، والقبول بالظل الأمريكي الصهيوني على الأسود الذي بدأ يفرد ظله عليها.
فأين هو إذن "العراق الحر والديمقراطي والمستقل" الذي وعدت به الإدارة الأمريكية؟
وأين هي "إعادة إعمار العراق" التي تعهدت بها هذه الإدارة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً؟
وأين هي الوعود الأمريكية في "استعادة المكانة الإقليمية والعربية والدولية للعراق"، وجعله "نموذجاً يحتذى" في "الشرق الاوسط" والمنطقة العربية في "الحرية، والديمقراطية، والعدالة، والمساواة، وحقوق الانسان"؟!
وكيف انطلت هذه الوعود الأمريكية الكاذبة والوقحة على بعض الدول الغربية والإقليمية والعربية التي راحت تتسابق في مساندة ومساعدة الإدارة الأمريكية لبسط سيطرتها ونفوذها وهيمنتها على العراق تمهيداً لـ"إعادة بنائه وإعماره وإحلال الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة في أوساط شعبه، ومساعدته بعد ذلك على استعادة مكانته الدولية والإقليمية والعربية"!!
ألا يتناقض ذلك تماماً مع المصالح الأمريكية والصهيونية التي ترى في العراق قاعدة عسكرية واقتصادية كبرى للمشاريع الأمريكية الصهيونية!! فكيف يمكن لهذه القوى الاستعمارية إذن أن تساعد في "إعادة إعمار العراق"، و"استعادة استقلاله وسيادته ومكانته الإقليمية والدولية والعربية" بحيث يتمكن من استعادة نهوضه وقوته، ووحدة شعبه وأرضه!!
إن كل ما تفكر فيه الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني هو إحداث أكبر قدر من الدمار والخراب، والقتل وإشاعة الخوف والرعب في أوساط المواطنين العراقيين، بحيث تضمن بقاءه منهكاً ضعيفاً، ومجرحاً وغير قادر حتى على مجرد رفع رأسه، كما يسهل على الكيان الصهيوني بسط سيطرته عليه، وعلى المنطقة العربية برمتها، وبالاشتراك والتنسيق مع الإمبريالية الأمريكية التي كان هدفها الأول والرئيس من غزو العراق خدمة الكيان الصهيوني!!.
وإذا كانت هذه الحقائق تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم - لاسيما بعد تغلغل جهاز "الموساد" المخابرات "الاسرائيلية" في المدن العراقية، ومشاركة شركات الأمن الصهيونية في البطش بالمواطنين العراقيين، وتخريب وتدمير كل ما تصل إليه أياديها -، وبعد الهجمات الوحشية للجيش الأمريكي ضد المدن العراقية مؤخراً على نحو لا يدع مجالاً للشك في النوايا الإمبريالية الصهيونية، فلم يزل بعضنا - عجزاً أو هواناً أو رعباً - مضطراً لتصديق الأكاذيب والوعود الأمريكية، غير أن فصائل المقاومة العراقية التي تعمل على الأرض ضد الجيوش الأمريكية قد استوعبت تماماً ما تبيته الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية ممثلة بالكيان الصهيوني تجاه العراق، ولذلك هاهي تضاعف من ضرباتها الجسورة في كل أنحاء العراق، وعلى نحو لم يكن يتوقعه المحتلون الأمريكيون، وعلى قاعدة إحراق الأرض تحت أقدام هؤلاء المحتلين، وكذلك تحت أقدام الصهاينة، حتى يعود للعراق حريته، واستقلاله، وسيادته، ووجهه العربي غير القابل للطمس، أو التأويل، أو الخضوع.