|
التعاون اليهودي الروسيّ وآفاق المستقبل
التعاون اليهودي الروسيّ وآفاق المستقبل
باسل النيرب
1425/7/27/2004/09/12
إثر العمليّات الأخيرة التي قام بها الشيشانيّون في أنحاء متفرقة من روسيا الاتحاديّة عرضت الحكومة الإسرائليّة على روسيا فتح مجال التعاون في مجال الاستخبارات لمقاومة ما وصفته بِـ "الجهاد الإسلاميّ"، ووصل وزير الخارجيّة الروسيّ إلى إسرائيل في زيارة استغرقت أربعاً وعشرين ساعة التقى خلالها نظيره الإسرائيلي (سيلفان شالوم) والرئيس الإسرائليّ (موشي كاتساف)، وزعيم المعارضة العماليّة (شيمون بيريز)، هذا التعاون يعيدنا إلى فتح ملفات التعاون الروسيّ الإسرائليّ.
نشأة العلاقة
بدأت العلاقات الروسيّة الإسرائليّة تنمو بشكل إيجابي من عهد الرئيس (بوريس يلتسين) حيث تم تبادل السفراء، كما سمحت روسيا بهجرة اليهود إلى فلسطين، ولم تقتصر هذه العلاقات على التمثيل الدبلوماسيّ فحسب، بل ذهبت لأكثر من ذلك عبر تفعيل الحوار المشترك، وتطوير العلاقات التجارية بشكل كبير، كما تم ترحيل نحو أكثر من مليون يهوديّ من دول الاتحاد السوفيتيّ السابق إلى فلسطين المحتلة، وقامت مؤسّسات بتنظيم هجرة مواطنين روس – غير يهود– إلى إسرائيل مقابل دفع مبالغ ماليّة لإعداد أوراق رسميّة تثبت أنّهم يهود، وكانت المحصّلة أنّه من بين خمسة ملايين نسمة في إسرائيل هناك مليون نسمة على الأقلّ ذوي أصول روسيّة ليسوا بالضروة من اليهود المعترف بهم حسب الديانة اليهوديّة.
وتنامت العلاقات الروسيّة الإسرائليّة حتى توّجت بتوقيع اتفاق للتعاون الدفاعي والأمني في ديسمبر 1995م، ثم طالب الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين اعتبار إسرائيل إحدى الدول الناطقة بالروسيّة؛ ما لذلك من أهميّة ثقافيّة - حضاريّة تحرص عليها روسيا كمفتاح لمستويات أخرى من الأهميّة السياسيّة والاقتصاديّة، فقد تخلّت روسيا الحليفة التي كانت أقرب إلى العرب عن موقفها، وادّعت أنّها تسعى إلى تحقيق التوازن في المِنطقة العربيّة، وتحقيق مصلحة كافة شعوب المِنطقة، ومن بينها مصالح إسرائيل.
التعاون الاستراتيجيّ
تكشف وسائل الإعلام الإسرائليّة بين الحين والآخر أنّ إسرائيل وروسيا تشرعان في تنفيذ سلسلة من المشاريع في مجال تطوير الأسلحة ومشاريع الفضاء، ومنها ما كشفته صحيفة (هآرتس) العبريّة أنّ الرئيس الروسيّ فلادمير (بوتين) عرض على الرئيس الإسرائليّ (موشيه كاتساف) أثناء لقائه به خلال زيارته لموسكو مؤخرًا أنْ يتمّ الشروع في سلسلة من المشاريع في مجال تطوير السلاح بين هيئة الصّناعات العسكريّة والأمنيّة الإسرائليّة، ومصانع السلاح الروسيّة المملوكة للدّولة.
وعرض (بوتين) بشكل خاص أنْ تقوم هيئة الصناعات الجويّة الإسرائليّة بتحديث الأسلحة الروسيّة المتراكمة في المخازن، والمساهمة في تسويقها في أسواق دول العالم الثالث، كما أشار الرئيس الروسيّ إلى ثقة العديد من الدّول في العالم الثالث في أفريقيا وأمريكا الجنوبيّة وآسيا بالسلاح الإسرائليّ.
وفي المقابل شدّد الرئيس الروسيّ على أنّ روسيا مستعدة للتعاون مع إسرائيل إلى أبعد حد في مجال تكنولوجيا الفضاء، وأنّها تضع إمكانيّاتها أمام هيئة الفضاء الإسرائليّة.
ولأهمية الزيارة فقد اصطحب (كاتساف) رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائليّ الجنرال (عوزي ديان) للبحث في تعزيز التعاون بين الجانبين في مجال مواجهة ما أسمته بـ "الخطر الأصوليّ" في المِنطقة؛ حيث إنّ مجلس الأمن القومي -الذي يرأسه ديان- متخصص في بحث سبل مواجهة الأخطار الإستراتيجيّة التي تواجه إسرائيل مستقبلا، بالإضافة إلى أنّ (ديان) يشدّد دائمًا على ضرورة التعاون بين إسرائيل وروسيا في مجال مواجهة "الخطر الأصوليّ الإسلاميّ".
أسباب التقارب
كما يقول الصحفي الروسيّ (بفراغ ستيفن) محلّل الشؤون الأمنّية والدوليّة في هاريسبورغ: "إنّ كلتا الدولتين (روسيا وإسرائيل) تواجهان التهديدات من حركات إسلاميّة، أدّت إلى تقارب معيّن بينهما". ويشير الصحفي الروسيّ إلى أنّ إسرائيل تمتنع عن أيّة تعليقات أو تنديدات بممارسات الجيش الروسيّ بحق المجاهدين الشيشان، فيما يغضّ (بوتين) الطّرف عن استمرار العمليّات الإسرائليّة ضدّ الفلسطينيّين.
فعلى سبيل المثال تصريحات المسؤولين الروس تصبّ جامّ غضبها على من تصفهم بالإرهابيّين الفلسطينيّين لحظة قيامهم بعلميّات تطال المدنيّين بينما تكتفي بالإعراب عن القلق من جرّاء السياسات الإسرائيليّة، أما الكنيسة الروسيّة الأرثوذكسّية فقد احتجّت بهدوء عندما تعرضت بعض ممتلكاتها في إسرائيل للضرر، لكنّها لم تحتجّ لما يتعرّض له الشعب الفلسطينيّ، أما غالبيّة وسائل الإعلام الروسيّة فسخّرت العديد من برامجها للهجوم على الفلسطينيّين والعرب ووصفهم بالإرهابيّين.
مشاريع مشتركة
إنّ القفزة التي شهدتها العلاقات بين الجانبين كانت في عام 1995م، وهي توقيع وزارة الدفاع الروسيّة لاتفاقيّات واسعة وكبيرة مع إسرائيل، تشمل توريد وتطوير عدة أنواع من الأسلحة الروسيّة، والتي بدأها وزير الدفاع الروسيّ ولاقت صدًى إيجابياً لدى الإسرائيليّين.
وتجمع وسائل الإعلام أنّ إسرائيل قد احتلت مكانة روسيا فيما يتعلّق بتوريد الأسلحة للهند، حيث وقّعت نيودلهي صفقات تزيد على مليار دولار مع إسرائيل لتوريد أنواع من الأسلحة كانت تستوردها من روسيا، كما أنّ الدولتين وقّعتا على اتفاقيّة هامّة تختصّ بتطوير عدّة أنواع للأسلحة الروسيّة القديمة.
واستمراراً للتعاون فقد أطلقت إسرائيل قمرها الصناعي (عاموس 2) بالتعاون مع روسيا، وتطمح الدولتان بدخول برامج المجموعة الأوروبيّة حلّ استكشاف الفضاء عبر برامج "أريان" و"ستارسيم"، فبعد يومين فقط من إطلاق (عاموس 2) أي في 30 ديسمبر 2003م أعلنت الصين عن مشروعها الفضائي الأول الذي أطلقت عليه اسم (غاليلو 5) بالاشتراك مع الاتحاد الأوروبي، والخاصّ بتعقّب العواصف الفضائيّة، وبمحاولة إيجاد بيئة ملائمة لتحسين أمان المهمّات الفضائيّة، بالإضافة لمهامّ أخرى، هذه العلاقة الإيجابيّة بين روسيا وإسرائيل لم تؤثر على التطور النوعي في العلاقات الروسيّة الإيرانيّة، والمتوتّرة بين إيران وإسرئيل بسبب الاتهامات الإسرائليّة لإيران بدعم الفصائل الفلسطينيّة وحزب الله كذلك.
روسيا وإيران وحسابات الربح والخسارة
تعود بداية التعاون الروسيّ الإيراني في مجال الطاقة النوويّة في العام 1992 حين وقّع البلدان اتفاقيّتين، الأولى تهم التعاون في مجال الاستخدامات السلميّة للطاقة النوويّة، والثانية تتعلّق ببناء محطة نوويّة في إيران لتوليد الطاقة الكهربائيّة. ثم وقّعت إيران عقداً مع روسيا بقيمة (800) مليون دولار لبناء مفاعل (بوشهر) النووي (جنوب إيران) بعد أن تنصلت شركة سيمنس الألمانيّة عن إكماله بضغط من الولايات المتحدة، وقد نُقل هذا المفاعل عبر البحر إلى إيران وبصحبته أكثر من ستمائة تقني، وبعد زيارة وزير الطاقة الروسيّ السابق (يفغيني أداموف) إلى طهران تم التوقيع على اتفاقية للتسريع في عملية بناء مفاعل بوشهر، كما أن زيارة وزير الطاقة الروسيّ ثبَّتت دراسات حول بناء محطات جديدة في أماكن متفرّقة من إيران أهمّها في منطقة الأهواز (غرب) بقيمة 780 مليون دولار، وكانت إيران قد وقَّعت اتفاقاً تكميلياً آخر مع روسيا نهاية العام 2001 بقيمة 1.200 مليار دولار ليكون مجموع المفاعلات التي ستساهم في بنائها موسكو خمس محطات نوويّة على أنْ يتمّ الانتهاء من تشييدهم بحلول العام 2012 م بشرط أنْ تقوم إيران بإعادة الوقود المُستَنفد إلى روسيا مقابل حصولها على الوقود الذّري النشط.
وكان ذلك السعي الإيرانيّ الحثيث لامتلاك التكنولوجيا النوويّة قد جعل الولايات المتحدة تقف (وبتحريض إسرائيليّ مباشر كما صرّح بذلك نائب وزير الخارجية الروسيّ فياتشيسلاف تروبنيكوف) بكامل ثقلها لإيقاف وإفشال ذلك الطّموح، وكثّفت من ضغوطها الدبلوماسيّة والاقتصاديّة على روسيا لحثها على إيقاف تسهيل نقل التكنولوجيا إلى إيران، وأصدرت عدة تقارير استخباراتيّه حذرت فيها من أنّ استمرار ذلك التعاون سيمكّن إيران من الحصول على صواريخ عابرة للقارات بحلول العام 2015 ، إلاّ أنّ روسيا وعلى لسان الرئيس (بوتين) دافعت عن هذا التعاون حين قال: إنّ روسيا تقدّم الدّعم الفنّي لإيران في المجالات السلميّة فقط ". وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها خاتمي لموسكو تمّ الإعلان عن موافقة روسيا على بناء ثلاثة مفاعلات نوويّة أخرى بتكلفة تقدر بحوإلى بليوني دولار.
مما لا شكّ فيه أنّ للدولتين مصالح إستراتيجيّة مشتركة أكبر بكثير من التعاون النوويّ، كما أنّه من وجهة النظر الإيرانيّة تمثل روسيا مصدراً أساسياً للتسليح وللمساندة التي يمكن أنْ تخفف من الضغوط الدوليّة الواقعة على إيران، فقد أعلن الطرفان عن تدعيم التعاون الاقتصاديّ والعسكريّ من خلال عدّة اتفاقيّات وقّعت من بينها ما يتعلق بإمداد إيران بالأسلحة "الدفاعيّة" كما أعلنت الدولتان عن صفقة تضمّ أسلحة مثل دبابات وقطع غيار. والأهمّ كان في مجال التوصل لاتفاق حول النظام القانونيّ لاستخدام موارد مياه بحر قزوين الغنيّة والتي ثار جدل حولها بين الدول الخمس المطلّة عليه، وكانت إيران قد أعلنت أنّها ستقبل بحصة تبلغ 20% من موارد النّفط الغنية في بحر قزوين. كذلك اتفق الجانبان على معارضة وجود قوات أجنبيّة في هذه المِنطقة، والعمل على مدّ أنابيب البترول لهذا البحر. كما وقع الزعيمان اتفاقاً حول تدعيم العلاقات الاستراتيجيّة الثنائيّة.
إنّ العلاقات الروسيّة الإيرانيّة قائمة على ثوابت لا يمكن أنْ تتراجع بشكل كبير إلا إذا كانت الضغوط الأمريكيّة على روسيا قويّة، ولا تتحمّلها الإدارة الروسيّة فقد اعتبر الروس أنّ الأمن القوميّ الإيرانيّ يبدأ من بحر العرب، وأعلن الإيرانيون منذ وقت قريب ضرورة إحياء مثلث بريماكوف، أي روسيا الصين والهند، مع إضافة ايران لتكون كمّاشة الاحتواء حول تركيا وباكستان.
روسيا وإسرئيل ضدّ "الإرهاب"
كشفت المصادر الإعلاميّة الإسرائليّة منذ العام 2000م، أنّ كلاً من روسيا وإسرائيل قد كثفتا التعاون الأمنيّ والاستخباريّ بينهما بشكل لم يسبق له مثيل، وأنّ الحكومتين الروسيّة والإسرائليّة اتفقتا على عقد لقاءات دورية بين قادة الأجهزة الاستخباريّة في الجانبين لتنسيق جهودهما ضد ما أسمته الإذاعة "خطر الأصوليّة الإسلاميّة المتصاعد".
وقالت الإذاعة الإسرائليّة معلّقة على هذا التقارب: " إنّ لكلّ من روسيا وإسرائيل، قواسم مشتركة كبيرة وهامة في مجال مواجهة (العدو) الذي يتمثل في خطر المقاومة الإسلاميّة" على حدّ وصفها، ثم توّج هذا التعاون في الاتفاقيّة الأمنيّة التي وُقّعت بين روسيا وإسرئيل في مجال مكافحة ما سمّته إرهاب "الجهاد الإسلاميّ".
عفوا صاحب الموضوع تعب في احضار الروابط هذه فيرجى منك الرد على موضوعه لترى الروابط تقديرا له ولترى الروابط رٌد باستخدام الوضع المتطور للردفقط .
|