كريستوفر ديكي هو أتحد الصحفيين والباحثين الأمريكيين البارزين وهو يرأس تحرير مجلة نيوزويك (النسخة الإنجليزية), وله مواقفه المختلفة عن الإدارة الأمريكية الحالية في كثير من القضايا, خاصة ما يخص الشرق الأوسط، وفي الحوار التالي يوضح ديكي موقفة حول الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وأجندة بوش في الشرق الأوسط في المرحلة القادمة، وغيرها من القضايا...
بداية هل كنتم تتوقع فوز الرئيس بوش في الانتخابات؟
نعم كنت أتوقع ذلك, وأعتقد أن هناك قضايا اجتماعية متعددة ساهمت في تعزيز وتقوية فرص بوش, يأتي في مقدمتها "رسالة بوش الأساسية" في الانتخابات كانت إيجابية وذكية, فقد أكد أن الأمور سوف تتحسن, وأن الأوضاع ليست سيئة كما يقول الناس.
وأعتقد أن ادعاء بوش غير صحيح, لكن ما يود الأميركيون سماعه قاله بوش لهم, أما جون كيري فقد كان مرشحاً ضعيفاً، ولم يكن يتحدث عن أمور مختلفة عن بوش حول الشرق الأوسط, فهو كان في موقع يقول فيه إن الأمور غير جيدة, وبالتحديد في العراق, ولكني سأقوم بنفس ما يقوم به بوش لتحسينها! والجمهور الأمريكي لم يكن يريد أن يسمع الأخبار السيئة, الأمر الذي أدركته رسالة بوش جيداً وتعاملت معه بذكاء.
في العدد الأخير من مجلتكم والذي أجريتم فيه تقييماً للانتخابات الأميركية من خلال عدد من المقالات، أكدتم أن هناك قضايا أخرى لعبت دور الحسم في الانتخابات هل يمكن أن توضح لنا نوعية هذه المسائل؟
نعم مقالة فريدمان كانت دراماتيكية, كما أظن أن فريدمان بالغ كثيراً في تقديراته وهواجسه, فهناك قضايا أخلاقية محددة كزواج المثليين, هي التي استخدمت بذكاء من قبل الجمهوريين في الانتخابات, وهناك عدد كبير من الولايات الرئيسة والحاسمة جعل الجمهوريون التصويت فيها على الانتخابات الرئاسية مصاحباً لاستفتاء شعبي حول قضية زواج المثليين جنسياً, لذلك كان الشخص يصوت ضد زواج المثليين, ثم يصوت لبوش, لأن الدعاية الانتخابية للجمهوريين كانت تقول إن بوش ضد هذا الزواج, أو هكذا قدمه المحافظون الجدد والمتشددون الدينيون, على الرغم أن كلاًّ من بوش وكيري قالا إنهما ضد هذا الزواج, لكن استطاع الجمهوريون استقطاب المسيحيين المتطرفين ليصوتوا الصالح بوش، وهذا يعود بنا إلى رؤية "كارل روف" الاستراتيجية؛ إذ إنه يعتقد أن بوش قد خسر الأصوات المحافظة في الانتخابات السابقة, لأن المسيحيين الأصوليين لم يصوتوا أبداً لبوش أو لغور, وكان السؤال بالنسبة لروف: كيف ندفع المسيحيين الأصوليين إلى التصويت? وبالتالي جاءت فكرة الاستفتاء على زواج المثليين, وهي تكتيك انتخابي ذكي جداً, الأمر الذي خدم بوش في هذه الولايات الحاسمة بشكل فاعل وكبير.
عن الشرق الأوسط
يعدُّ استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم، وإطلاق حزب الله طائرة بلا طيار, تغيراً استراتيجياً في المعادلة الإقليمية, ما هو الرد الأمريكي على هذه المتغيرات في تصورك?
في البداية, لا بد أن نتساءل ماذا تريد إيران? فإيران تقول إنها لا تريد أسلحة نووية, ولا أحد يصدق ذلك, أنا اعتقد أن ما تريده إيران هو "غموض استراتيجي" فيما يتعلق ببرنامجها النووي, وهو أمر مشابه لحالة إسرائيل, فإسرائيل لم تعترف أنها تمتلك قنبلة نووية, وهو أمر مشابه أيضاً لحالة كوريا الشمالية, فنعتقد أنها تمتلك السلاح النووي على الرغم أنها لم تعلن ذلك. والهدف من مسألة "الغموض النووي" الذي تريده إيران هو تعقيد أي مخطط للهجوم عليها, وهذا أيضاً سيغير المعادلة الإقليمية؛ لكن لا نتوقع أن يخرج أحد في إيران ويهدد بحرق إسرائيل كما حدث مع صدام حسين عندما هدد بذلك, ولم يكن يمتلك تلك الأسلحة?!
لذلك هذا الموضوع يشكل مجالاً حيوياً في النقاش بين أوروبا وبوش وهو موضوع خطير ومتشعب, لكن مشكلة إدارة بوش الرئيسة أن لديها أكثر من 140 ألف جندي في العراق, هم بمثابة الأسرى لدى إيران, وهذا الوضع هو السبب أن عدداً من مستشاري بوش رفضوا ونصحوه بعدم التورط في حرب العراق, لأن إيران تلعب بذكاء في العراق, وتتدخل بطرق مباشرة, وغير مباشرة من خلال الشيعة وبعض السنة "سواء عرفوا ذلك أو لم يعرفوا".
كيف تقرأ الوضع العراقي في ضوء مخرجات اجتياح الفلوجة, والتحضير للمؤتمر الدولي, والانتخابات?
لن يحدث أمراً كبيراً من المؤتمر الدولي المنتظر سوى أن إيران سيتعزز حضورها في العراق, وأعتقد أن إدارة بوش تعرف تماماً أنها بحاجة لإيران, وسوف يحاول المؤتمر الدولي جذب إيران للتعاون في مستقبل العراق, وأعتقد أن إيران ستقبل ذلك وستكون جائزة إيران بذلك تقوية ولاية خامنئي, وأيضاً الاستمرار والقدرة على التأثير على الأوضاع في العراق.
أما الانتخابات المتوقعة؛ فلن تقدم شيئاً لتحسين الوضع الأمني في العراق, ويمكن أن تزيد الأمر سوءاً, وكذلك عدم إجرائها أيضا سيزيد الأمر سوءاً; لأن الشيعة يرون أن الانتخابات ستفتح لهم الباب لحكم البلاد، لكن في المحصلة أظن أنه ستجري انتخابات ولن تكون نزيهة, فعلاوي سيبقى الرئيس بعد الانتخابات, فهل تتوقع أنه إذا أجريت انتخابات نزيهة سينتخب علاوي? لا أظن ذلك ونفس الأمر في فلسطين؛ فلو أجريت انتخابات صادقة لن ينجح أبو مازن على الرغم أنه سيصبح رئيساً للسلطة الفلسطينية, كجزء من اللعبة ومطلب للمرحلة القادمة, وهذه هي صيغة الديمقراطية الأمريكية المطلوبة, من خلال انتخابات قذرة تأتي بمن يخدم مصالحها!
كيف تقيّم الأمور بعد وفاة ياسر عرفات, هل ستدفع الإدارة الأمريكية الآن بثقلها في هذه العملية, ما هي توقعاتك?
في الحقيقة عرفات ليس حجة, والنموذج الذي شكله سيبقى هو النموذج للعملية السلمية, والمعيار الأقرب والذي يمكن أن يعمل هو معيار "طابا" وهذه المفاوضات هي التي أعطت الأسبقية لإدارة بوش في إعلان تأييدها لإقامة دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع إسرائيل.
والسؤال المطروح: ماذا سيفعل بوش?
هل سيدفع إلى الأمام? وبأي اتجاه? هل سيضغط باتجاه ما تم الوصول إليه في طابا? شارون لم يقبل نموذج طابا, إذ إنه يرفض أن تكون شرق القدس ضمن الدولة الفلسطينية.
فهل لدى بوش القدرة والإصرار لدفع شارون بهذا الاتجاه? لا أظن ذلك, بل شارون سوف يؤخر ويماطل إلى حين الانتخابات الأمريكية القادمة, وهنا نعود إلى سؤال المتدينين الأصوليين, واللوبي اليهودي, الذي لا يريد رؤية إسرائيل تقدم مزيداً من التنازلات, مع الاعتراف بأن هناك يهوداً في أمريكا مع قيام الدولة الفلسطينية وتقديم تنازلات لإنجاح مشروع السلام.