نشرت مجلة تايم الأمريكية في 20/9/2004 تحقيقا صحفياً مطولاً عن بوادر نشوب حرب وصراعات قوى داخل الدين الإسلامي، وعبر مكوناته التنظيمية، وقالت إن مستقبل الإسلام السياسي، يدور الآن بين فكي النزاع الذي يقوده المتطرفون والراديكاليون من جهة وبين المعتدلين من جهة أخرى، وقالت: إن أحداث 11 أيلول أحدثت مزيداً من الانقسام والصراع بين الطرفين، وبخاصة فيما يتعلق بعلاقة الدين الإسلامي بالغرب، وهي علاقة برأيينا تشهد بالطبع انقساماً وتضاداً واضحاً على خلفيات سياسية، استغل فيها العامل الديني استغلالاً متميزاً، لدرجة تم فيها استنزاف القوى الإسلامية، لمستوى الانفعال والتفاعل مع الحدث، في إطار مجموعة الفواعل والمصالح الأمريكية في العالم الخارجي، ونعتقد أن الولايات المتحدة وفي الفترة الممتدة من 1979 ولغاية 1990 -أي قبل غروب الاتحاد السوفيتي- أسهمت في صيرورة الإسلام السلفي الجهادي عبر البوابة الأفغانية، وهي التي تنكره اليوم وتحاربه بقوة كما توضحه مجلة التايم.
وكشفت التايم عن إن الحرب والصراع لم يكن ناجماً عن أحداث 11 أيلول الأمريكية، و إنما أسهمت هذه الاحداث في ظهوره إلى العلن، وكشف المستور في داخل الدين الإسلامي ، الذي اعتبرته انعكاساً لحالة التناقض في الجوانب الفكرية والتنظيمية وفي مسألة بناء الدولة، ويذهب المحلل السياسي (ميكائيل دوران) إلى أن الحرب بين قوى الاعتدال والتطرف يمكن وصفها بأنها أشبه ما تكون بنزاعات داخلية حادة، قد يكون لها آثارها العنيفة والمدمرة على العالم الإسلامي مستقبلاً، الأمر الذي قد يدفع الآباء للوقوف في وجه أبنائهم الذين اعتنقوا الأفكار السلفية المتطرفة.
هذه المخاوف تتعزز في ضوء الصورة التي يحاول أن يرسمها الغرب عموماً عن الإسلام مختزلاً الحضارة الإسلامية في مجموعة من الأحداث غير الناضجة والمفصولة عن السياق العام للسلوك الحضاري والإنساني للإسلام، والتي جاءت بشكل فج بسبب مجموعة الظروف المختلفة التي وضع أو مرّ بها العالم الإسلامي، والناجمة عن سلسلة من الضغوط الخارجية والداخلية أيضاً.
وتضيف التايم في تحقيقها الى أن نسبة المتطرفين في العالم الإسلامي ازدادت بعد احداث 11 ايلول الأمريكية، فالحرب على الإرهاب واحتلال أفغانستان والعراق، وما يتعرض له الفلسطينيون من دمار وقتل يومي، اذكيا نار التطرف والعنف (الجهاد) لدى الحركات الإسلامية، حيث ترى هذه الجماعات أن الإسلام أصبح مستهدفاً ويتعرض للهجوم، فيما يرى المعتدلون أن احتلال العراق وما حدث في سجن أبو غريب جعل جهودهم في الدعوة إلى الاعتدال والانفتاح ونبذ العنف وقيم التطرف مجرد صرخة في الهواء.
ولعل أحداث عدة تكشف عن حالة التناقض الغربي حيال العالم الإسلامي، ويجعل من طروحاتهم بضرورة تبني القيم الديمقراطية والانفتاح الليبرالي الفاقدة للظروف الموضوعية، عملاً بيزنطياً وخضاً للماء، حيث جاءت النداءات الأمريكية بإقامة الحرية والديمقراطية في العراق مخيبة للآمال، ومؤكدة في الوقت ذاته أن الغرب مازال يجهل أو يتجاهل كيفية التعامل مع العالم الإسلامي وقواه الحية.
"الديلي تلغراف" الصحيفة البريطانية الواسعة الانتشار والتي ساندت الحرب على العراق تكشف النقاب وفي 23/10/2004 عن أبرز معالم التناقض الغربي حيال العالم الإسلامي، في بعض مظاهرها الحديثة الطابع، فقد كشفت الصحيفة النقاب وعلى لسان ضابط أمريكي عن أن شخصية الزرقاوي قد جرى تضخيمها واستخدامها كإطار ومبرر للإعمال الأمريكية الوحشية، وأن شخصية الزرقاوي كانت مجرد أكذوبة تم تصنيعها لتؤدي دورين محوريين داخلي وخارجي، إذ إن السياسة الأمريكية بحاجة دائماً لمطاردة شرير!. وأضاف: "كنا ندفع لرجال العصابات والمجرمين عشرات الآلاف من الدولارات للقيام بأعمال وحشية ضد مدنيين، ومن ثم لصق هذه الأعمال بالزرقاوي، لقد كنا نخشى الرأي العام وما زلنا لا نستطيع الاعتراف بقوة المقاومة العراقية، إلا أننا بمستطاعنا الاعتراف بقوة شخصية مجرمة لتبرر لنا أمام الرأي العام أية أخطاء نقترفها".
إذًا هناك قصدية وراء مجموعة الأفعال المشينة والتي يرفضها الإسلام، غير أن الهدف من هذا الربط بين هذه الأعمال والإسلام هو مسخ لصورة الإسلام السمحة لدى الرأي العام الغربي، وتأسيس دوافع للعداء بين الطرفين، وهذا العمل من شأنه مضاعفة قيم التطرف والعنف والتقاطع مع المشروع الغربي الأمريكي، الأمر الذي يجعلنا نؤكد ما ذهب البعض إليه من ظاهرة الإسلام فوبيا ظاهرة تم إنتاجها في مجمعات المعلومات والمختبرات السياسية لخدمة الأهداف والمصالح البعيدة والاستراتيجية.
هذا المنطق جرى التفكير فيه عقب تصاعد المد الإسلامي في المجتمع الأوروبي من ناحية، واعتراف العديد من الأوروبيين بصحة المنهجية الإسلامية الإنسانية والعلمية، وكانت ظاهرة الإسلام فوبيا ليست الخوف من الظاهرة الجهادية في الإسلام أو الأصولية الإسلامية، و إنما كان الخوف الحقيقي من جاذبية الإسلام في الأوسط الأوروبية حتى بعد أحداث 11 أيلول 2001 والتي شكلت لدى البعض منهم تحولاً داخلياً إيجابياً نحو حقيقية الإسلام على عكس الهدف الحقيقي للرسالة السياسية للحدث. ومن ناحية أخرى يرى بعض المحللين أن السياسة الخارجية الأمريكية وتحديداً باتجاه العالمين العربي والإسلامي تتحرك في إطار الأجندة الإسرائيلية.
وفي تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ( iiss ) عن العام 2004 – 2005 قد كشف التقرير جملة من التناقضات الأمريكية حيث أشار إلى ما يلي:
إن الحرب على الإرهاب ضاعفت من نشاط تنظيم القاعدة، وبخاصة قيادات الدرجة الثانية، والتي عملت على ما بوسعها لاستخدام كافة والوسائل للتمويه وحرية الحركة والفعل والتأثير، وقد أصبحت القاعدة منتشرة في 60 دولة من العالم.
إن الحرب على العراق فاقمت من مخاطر الإرهاب على العالم الغربي، حيث أصبحت المصالح الغربية عرضة للتهديد المباشر، الأمر الذي يؤثر على الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني لهذه الدول.
إن احتلال العراق أوجد دافعاً حقيقياً لقوى التطرف الإسلامي للتنامي والظهور والبروز بمظهر المدافع عن الإسلام والثروة، والعمل على طرد الاحتلال الأجنبي، وكلها أهداف مشروعة بنظر الشارع العربي والإسلامي.
إن تنامي الظاهرة الأصولية في العالم العربي والإسلامي عموماً ناجم عن المعايير المزدوجة التي تتعامل بها السياسات الأمريكية والغربية مع العالم الإسلامي.
ويقول التقرير: إن تنظيم القاعدة يحاول العمل على تطهير العالم العربي والإسلامي من الهيمنة الأمريكية، فقد عزز الاحتلال الأمريكي في العراق من منطق القاعدة، وجعلها أكثر قدرة على التحرك وكسب أعضاء جدد وتجنيدهم في خدمتها.
إذًا وعلى الرغم من المبررات التي تساق في مجال محاربة ومكافحة الإرهاب، والعمل على تجفيف منابع التطرف والأصولية في العالم وتحديداً العربي والإسلامي، بحاجة لإعادة النظر، كون التطرف والإرهاب ليس إسلامياً فقط، وإنما هناك إرهاب إسرائيلي وأمريكي، يتجاوز القانون الدولي والأخلاقيات الدولية والإنسانية، كما وأن هذه المبررات تعمل و بطريقة ما -وعلى المدى الاستراتيجي- على استنزاف عقل الأمة الاستراتيجي، ودفعه نحو مزيد من الانفعال والعنف والتطرف ***يلة وخيار متاح وبديل للغة حوار المصالح المتبادلة بين الطرفين.
هذه الصورة النمطية عن العالم العربي والإسلامي وعن الإسلام على الخصوص لم تأت من فراغ، بل جرى ويجري التأسيس والتعبئة الدائمة لها في الذهنية الغربية اليمينية، بشكل يومي وشحنها بمزيد من الطرف والصور والنماذج، ونسيان النموذج الحضاري الإسلامي بتعمد واضح، والعمل على تهميش دوره، الأمر الذي يسهم في ايجاد البيئة والبنية التحتية لانتعاش الظاهرة الأصولية المتطرفة، والتي تعتقد بأهمية إفشال المشروع الغربي في المنطقة من خلال استهداف رموزه أو مصالحه ، واستنزافه في معارك مختلفة.
إن ابن لادن والزرقاوي لا يعبران عن حضارة الأمة الإسلامية، ويجعل الغرب من الاستثناء القاعدة للحكم والقياس والتصرف، وكذلك فإن رامسفيلد وكوندليزا رايس وبوش لا يعبّرون عن الشعب الأمريكي، ولكنهما بالطبع إفرازات اجتماعية سياسية، بحاجة للقراءة والتحليل لبيان أسباب ظهور مثل هذه النماذج وسيطرتها وتأثيرها على الرأي العام.
المطلوب منا البحث عن أدوات جديدة لخطاب سياسي وثقافي حضاري وعقلاني يكون مؤهلاً وقادراً على مخاطبة الرأي العام الغربي والأمريكي؛ فهناك متسع وهامش للحوار والتأثير في العقل السياسي الأمريكي، ونعتقد أن ثمة تحولات إيجابية رافقت أحداث 11 أيلول لدى قاعدة واسعة من الأمريكيين، وبخاصة من هم على صلة بالواقع العربي والإسلامي، الذي دفعهم للتفكير المنطقي بضرورة إعادة النظر في سياسات بلادهم حيال العالم الإسلامي تحديداً، وهي قوى بحاجة للدعم والمساندة.
إن هذا الرأي ينطق به باحثون أمريكيون تجولوا في عدد من الدول العربية؛ حيث تعتقد هذه الشخصيات أن حركة الإخوان المسلمين هي من الحركات المعتدلة، وإنها تنتظم في إطار مجموعة القوانين ولديها القدرة والقابلية للحوار والمساهمة والمشاركة الديمقراطية، وإنها تؤمن بالحق في الاختلاف، وإن كان لها رأي متطرف إزاء السياسات الأمريكية، إلا أنها عبّرت عن أن الضغط المتزايد على خزان الإخوان سيؤدي إلى إنعاش القاعدة السلفية التي تمتد وتنتشر بسرعة كبيرة، ولكنها ليست منتظمة أو مشروعة التنظيم وفيها نفس راديكالي، يمكن أن يكون مستقبلاً مشروعاً لتنظيم إرهابي، وأكد الباحثون على أن الرؤية الأمريكية للعالم الإسلامي فيها جانب كبير من القصور كونها رؤية كانت تمر عبر البوابة الإسرائيلية فقط.
اليوم، هناك دراسات أمريكية ميدانية اكتشفت العالم الإسلامي على حقيقته، وكشفت النقاب عن زيف الصورة التي كان الأمريكيون يتصورونها عن هذا العالم ، غير أنهم أنحوا باللائمة على المثقفين العرب الذين وجدوا في المشجب الأمريكي مكاناً مناسباً لتبرير عجزهم عن الفعل والتأثير في المجتمع الأمريكي ونخبه، وتركوا المجال للآخر لقيوم بعملية ملء الفراغ، وبما يتناسب ومصالحه. وعلقوا أيضاً على الخطب المنبرية في المساجد والتي تدعو إلى انكسار أمريكا وتراجعها بالقول: إن المنطق العلمي يؤكد بأن الفعل الكلامي غير المقرون بالعمل دلالة عجز، وليس دلالة إيمان، بالرغم من أن القران الكريم ينادي بضرورة وأهمية الحوار والجدال بالتي هي أحسن ، كأسلوب حضاري في التعامل مع الآخر.