لقي الخبر الذي نُشر على صدر الصفحة الأولى لصحيفة "الوطن" السعودية أمس الجمعة والمتعلق باستنجاد الشيخ سلمان العودة بالمسؤولين السعوديين لمنع ابنه من السفر للعراق- ردود فعل ساخطة في الوسط الإعلامي والدعوي السعودي واعتبروا ما حصل خرقاً واضحاً للقواعد المهنية الصحفية التي ينبغي أن تلتزم بها وسائل الإعلام في ممارستها للمهنة, حيث إن الصحيفة السعودية نشرت الخبر دون أن تتثبت منه, وتساءل الكثيرون عن طبيعة "المصدر الموثوق" الذي استندت إليه الصحيفة في إيرادها للخبر.
وحيث إن الخبر تداخلت فيه العديد من الشخصيات المعنوية والاعتبارية, قال خبير إعلامي لـ"الإسلام اليوم": إنه كان بوسع الصحيفة -لو شاءت- أن تتحرى الدقة أن تتصل على الشيخ سلمان العودة نفسه لتؤكد الخبر وتكسب له المصداقية المفترضة, أو تتصل بمصدر مسؤول في سلطات الأمن وهو الجانب الذي ذكر في الخبر أنه تحرك لإنقاذ "معاذ" ابن الشيخ سلمان بناء على طلب الأخير، كما أن الصحيفة كان في إمكانها أن تتصل بـ"معاذ" لتعرف منه هل في نيته حقاً التوجه للعراق أم لا؟ ودوافعه للقيام بذلك. غير أن الصحيفة – يقول الخبير الإعلامي- لم تتصل علي أي من هؤلاء ونشرت الخبر ونسبته للمصدر الموثوق.
وقال الدكتور محمد الحضيف أستاذ الإعلام السابق بجامعة الملك سعود بالرياض: إن الصحيفة فقدت المهنية والمصداقية, وقامت باختلاق موضوع الرسالة التي تركها الابن في البيت, وتساءل إذا كانت الرسالة تركت في البيت فكيف اطلعت الصحيفة عليها؟! واعتبر الحضيف ما تم نشره أمس الجمعة في "الوطن" بمثابة تصفية حسابات مع تيار من العلماء في السعودية في شخص الشيخ سلمان العودة. ورأى أستاذ الإعلام السابق في تغليب الجانب الأيديولجي على المهنية "عيب كبير" و "خطأ فاضح" في الصحافة ومن أكبر المشكلات التي تواجهها الوسائل الإعلامية, لأن "القضايا المهنية لها ثوابتها وقواعدها التي يجيب أن تحترم وأن تراعي عند ممارسة المهنة", وقال الحضيف إن التفريط في الالتزام بالقواعد المهنية لا يضر فقط بالصحيفة التي لا تلتزم بتلك القواعد وإنما يمتد أثره لذات المهنة واحترام الناس لها.
ولفت الدكتور محمد الحضيف إلى العبارة التي وردت في آخر الخبر "يا زمان العجائب!" ووصفها بأنها كانت عبارة انحيازية بشكل صارخ مع أن المفترض -والحديث للحضيف- حسب القواعد المهنية ألا يكون كاتب الخبر منحازاً لرأي في كتابته للخبر، وألا يورد رأيه فيه, وقال إن من قام بصياغة الخبر كان يتحرك بقناعة مسبقة. مشيراً إلى أن الخبر في مجمله يحمل مضامين ايديولوجية تسعى لتصفية حسابات مع آخرين يخالفونهم في الرأي.
وانتقد الحضيف بشدة إدراج خبر "مغرق في المحلية وغير صحيح" وأفراد أربعة عناوين رئيسه له في صدر الصفحة الأولى لصحيفة يومية وقال: "حتى الصحف الصفراء -صحف الإثارة- لا تقوم بهذه الخروقات المهنية".
الإعلامي السعودي تركي الدخيل مقدم برنامج (إضاءات) في قناة "العربية" انتقد بدوره ما نشر أمس على صفحات "الوطن" قائلاً: إنه "صُدم عند مطالعته للصحيفة"؛ في إشارة إلى الخبر المنشور في صفحتها الأولى والمتعلق بالشيخ سلمان العودة, واعتبر الدخيل ما نشر "ينقض المهنية" وقال إن: "جملة التعجب وعلامته في آخر الخبر, هو سائغ مهني في حقي وحق كل كاتب, لأنه يبدي رأيه؛ لكنه ليس سائغاً في حق الخبر". وأضاف الدخيل بينما تحدث الموضوع عن "خمس جهات حسية" في الخبر هي: سلمان العودة، وابنه معاذ, والجهات الأمنية، والعراق، ومنطقة جبة شمال حائل؛ فان الخبر لم يورد رأي أي جهة من تلك الجهات الخمس ولم يستند إلى أي منها في إيراد معلوماته.
وكانت أغلب الصحف السعودية قد صدرت صباح السبت وهي تحمل في صفحاتها أخبار بيان الشيخ سلمان العودة الذي ينفي فيه ما نشر في "الوطن".
وأفردت صحيفة "الرياض" مساحة مقدرة في صفحاتها للبيان, وجاءت جريدة الجزيرة بنص البيان كاملاً في صدر صفحتها الأولى, كما نشرته مكرراً في صفحاتها الداخلية واتبعته بفتوى سابقة للشيخ سلمان العودة بشان ذهاب الشباب السعودي للعراق، كذلك اهتمت صحف:(عكاظ) و(المدينة) بالبيان وتابعت تفاعلات الحدث في كافة جوانبه في صفحاتها الأولى. وانفردت صحيفة "المدينة" بتصريح خاص من العميد منصور التركي الناطق باسم وزارة الداخلية السعودية يدعو فيها وسائل الإعلام إلى تحري الدقة والمصداقية في الأخبار. أما صحيفة "الوطن" فقد خلت صفحاتها اليوم السبت من أية إشارة للخبر رغم صدور البيان الذي ينفي الواقعة.
أما موقع إيلاف الإلكتروني الإخباري فقد نشر الخبر أمس نقلاً عن صحيفة "الوطن" وعنونه بـ"العودة يمنع نجله من الجهاد", ونشر اليوم السبت مادة مطولة عن الخبر والبيان الذي ينفي الحدث، منتقداً غياب المهنية في الصحيفة وقال: إن "الزلة التي وقعت فيها الوطن لا يمكن تبريرها؛ حيث إنها تجاوزت أبسط قواعد المهنية, مشيراً إلى العبارة التي اختتمت بها الخبر (يا زمان العجائب) والتي فيها "من الركاكة لدرجة لا يتصور معها أن تضيف للخبر شيئاً بل العكس إذ نسفته, وكان حذفها بديهة يعرفها أي متدرب جاد في بلاط صاحبة الجلالة" ويمضي كاتب التقرير في إيلاف قائلاً " ولا افهم كيف مرت تلك العبارة على اكثر من عين حتى تجاز للنشر في الصفحة الأولى, دون أن يقترح أحدهم حذفها, أو لعل ذلك حدث بالفعل, لكن كانت لصاحب القرار كلمته الأخيرة الحاسمة, وهو ما يعكس في هذه الحالة دكتاتورية هاهي ابسط نتائجها متمثلة في قلب الطاولة على الصحيفة".
ويتوقع أن تشهد الساحة تفاعلات أخرى في القريب العاجل بعدما أعلن الشيخ سلمان العودة أنه بصدد مقاضاة صحيفة "الوطن" أمام القضاء السعودي برفع دعوى تشهير وكذب ونسبة فتاوى غير صحيحة إلى شخصه.