تأتي استقالة كولن باول وزير الخارجية الأميركي لتشكل نهاية حاسمة لحالة الاستقطاب الشديد داخل الإدارة الأميركية خلال المرحلة السابقة، بين تيارين رئيسين: الأول هو تيار الصقور والذي يقوده تشيني ورامسفيلد وبول وولفيتز. والثاني هو تيار الحمائم والذي كان يقوده كولن باول ويتمركز ثقله الرئيس في وزارة الخارجية وبعض القيادات في الاستخبارات الأميركية، والذين أطيح بهم مع أو قبل باول ومنهم "جون تينت" وعدد من الضباط الكبار و"ارميتاج"، وقد ذكر مراسل بي بي سي في البيت الأبيض أن استقالة باول كانت متوقعة نظراً للاختلاف الشديد بينه وبين صقور الإدارة والذين يمثلون الثقل الأكبر.
بمعنى آخر: فقد كان باول يمثل الطرف المضطهد المحارب، والذي وصلت حدة الخلاف بينه وبين الصقور إلى درجة "الحرب الباردة" الحقيقية داخل الإدارة الأميركية، وكان كل من الطرفين يسعى إلى استغلال أخطاء وعثرات الطرف الآخر، وقد زادت حدة الخلاف بين الطرفين في الشهور الأخيرة لإدارة بوش بشكل واضح وصريح ومعلن، في حين كانت رايس (خليفة باول في المنصب) تحاول استيعاب حالة الاختلاف والاستقطاب وعمل نوع من التوازن على الرغم من ميولها الأيدلوجية باتجاه الصقور، وهي تلميذة أولبرايت، وحاصلة على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من دنفر، وشغلت منصب رئيس جامعة ستانفورد، واهتمت مسبقاً بالصراع مع الشيوعية ومثلت هذه الاهتمامات بداية اللقاء الفكري والسياسي بينها وبين والمحافظين الجدد في السابق.
وشهدت المرحلة الأخيرة من ولاية بوش الأولى هجمة إعلامية تركزت على رامسفيلد وتيار الصقور، نظراً لتزايد حالة العداء العالمي ضد الولايات المتحدة، وللأخطاء والخطايا التي وقعت من قبل وزارة الدفاع وفي مقدمة ذلك الخلل في توقعات حجم القوة الأميركية المطلوبة لمرحلة ما بعد الحرب في العراق، ولحجم المقاومة، وحل الجيش العراقي، وفضائح أبو غريب..إلخ. وترافق ذلك مع انتقاد سياسي وثقافي كبير شنه عدد من المثقفين والخبراء الأميركيان المرموقين، وعدد من المتقاعدين العسكريين والقيادات العسكرية في البنتاغون الذين رأوا أن رامسفيلد قد أضر كثيراً بالمؤسسة العسكرية الأميركية وسمعتها وأخلاقها. إلاّ أن هذه الفضائح والأخطاء والانتقادات الواسعة لم تقلل من سطوة وتأثير رامسفيلد وباقي تيار الصقور لدى الرئيس بوش، كما كان متوقعاً، في حين أدى نجاح بوش في الانتخابات بمساعدة اليمين الأميركي المتطرف، واستثمار الدين والكنيسة بشكل تكتيكي متفوق في الانتخابات مما ساهم بشكل كبير في فوزه، وأدى إلى تعزيز دور المحافظين الجدد وتوقع تزايد حضور المتعصبين وتيار الصقور داخل الإدارة الأميركية، والتضحية في مقابل ذلك بكولن باول وتياره الضعيف أصلاً، وبالتالي ستزول الآن حالة الاستقطاب، ولن يكون هناك سوى صوت واحد داخل الإدارة الأميركية وستعود وزارة الخارجية إلى حظيرة الصقور، الأمر الذي يعني الاستجابة إلى مطالبهم بإعادة هيكلة وزارة الخارجية كي تنسجم مع رؤية الإدارة الأميركية وتصوراتها الاستراتيجية، إذ كان الصقور يرونها "وزارة مارقة" تتضارب رؤيتها وعملها مع باقي أجهزة ومؤسسات الإدارة الأميركية.
وكان من بين المقالات التي أثارت جدلاً كبيراً وردود فعل هائلة في سياق الهجوم على باول ووزارة الخارجية خلال المرحلة السابقة، مقال نيوت غينغريتش بعنوان "وزارة الخارجية المارقة" (والذي نشر على صفحات مجلة الـ Foreign Policy، ع: أغسطس 2003)، والمثير في مقال غينغريتش تلك الحملة الشديدة التي قام بها على وزارة الخارجية إذ يصفها بـ"المارقة"، نظراً لما ادعاه الكاتب من عدم استجابة الوزارة والعاملين فيها لتوجهات إدارة الرئيس بوش. واتهام الوزارة بأنها تغرد خارج السرب، وأنها تتقاعس وتتحايل على تنفيذ التوجهات الجديدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي تقوم على ادعاء نشر الديمقراطية والدفع باتجاه إصلاحات سياسية واقتصادية، والتي تشكل إطاراً أخلاقياً لمحاولة الولايات المتحدة فرض سيطرتها وهيمنتها على العالم، والمضي قُدماً في أحلام المحافظين الجدد في بناء إمبراطورية أميركية على غرار الإمبراطورية الرومانية.
وقد تفجر الخلاف بين الصقور والمعتدلين داخل الإدارة الأمريكية سابقاً -بشكل كبير- بسبب الحرب العراقية، ويضرب غينغريتش مثالا على عدم تناغم سياسة الوزارة مع توجهات بوش من خلال المقارنة بين الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش أمام مجموعة من العراقيين -الذي أكد فيه أن الولايات المتحدة ستعمل على إقامة حكومة ديمقراطية في العراق وتحرير الشعب العراقي من الاستبداد والطغيان وفتح أفق الحرية أمامه– وبين تقرير سري صدر عن مكتب الاستخبارات والأبحاث التابع لوزارة الخارجية بعنوان "العراق، الشرق الأوسط والتغيير: لا أحجار دومينو"(4/ 2003) ويؤكد التقرير المذكور على صعوبة شديدة في إقامة ديمقراطية ليبرالية في العراق، وكذلك الأمر فإن إقامة ديمقراطية انتخابية ستؤدي إلى وصول عناصر معادية للولايات المتحدة، وهي النتيجة التي تمثل نقيضاً لإدعاء الصقور بجلب الحرية والديمقراطية إلى العراق والشرق الأوسط.
كما اختلف الطرفان سابقاً حول العديد من القضايا الأخرى كالعلاقة مع الأمم المتحدة، وأوروبا، والتعامل مع دول الشرق الأوسط وبالتحيد حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك مستوى الضغوط لتنفيذ المطالب الأميركية، إذ اعتبر باول متهاوناً في تحقيق السياسية الأميركية المطلوبة.
من هنا فإن من المتوقع أن تعمد رايس إلى إعادة هيكلة وترتيب وزارة الخارجية بما يتلاءم مع توجهات الصقور، الأمر الذي سينعكس على الشرق الأوسط من خلال زيادة الضغوط والمطالب الأميركية، والمضي قدماً في تحقيق أهداف الإدارة في إخضاع الدول المارقة، والإمعان في دعم شارون والليكود والذي يعتبر حليفاً وثيقاً للمحافظين الجدد.