الفلوجة "مدينة المساجد" تودّع مناراتها
عامر الكبيسي
16/10/1425
29/11/2004
مدينة الفلوجة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها أربعة كيلومترات طولاً وعرضاً تتوزع على مداخلها ومخارجها وشوارعها أكثر من (70) منارة مسجد، والتي تعتبر العلامة الفارقة للمدينة التي سُمّيت انطلاقاً من هذه المساجد "بمدينة المساجد أو المنارات".
تلك المآذن لم تغادرها أصوات الأذان فحسب بل غادرت الأرض والفضاء الذي كانت تشمخ وترتفع عالياً في سمائه بعد أن ورثها أهلها كابراً عن كابر، وعلموا أنها مكان للعبادة والخير والتعليم، وليست مكاناً للدمار والتجريف. هذه المساجد تعرّضت إلى شكل من الدمار لم تشهده من قبل أي مدينة عراقية بعد الاحتلال، فكان للفلوجة ليس سبق المقاومة فقط بل وسبق التدمير للمساجد بالجملة، ولا يزال التجريف مستمراً...
جوامع طالها التدمير
1) ففي حي الجولان والذي شهد مقاومة كبيرة، وظلت الطائرات الأمريكية تلقي بحممها عليها قبيل الحرب الأخيرة على الفلوجة بصورة متكررة، ذلك الحي دُمّر فيه جامعان هما: جامع أبو أيوب، و جامع الشيخ زامل.
2) وفي حي نزال الذي شهد اشتباكات عنيفة منذ دخول القوات الأمريكية إلى الفلوجة أُصِيب فيه -على أقل تقدير- أربعة مساجد لحق الدمار بثلاثة منها، وهي: جامع الفردوس والبراءة والهداية، بالإضافة إلى جامع الحاج نزال.
3) وفي حي الضباط دُمِّر جامعان هما: الخلفاء ذو المنارات الأربع الجميلة، والتي ترمز إلى صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، ويقع عند مدخل المدينة، والجامع الآخر هو جامع المدلل.
4) وفي الحي العسكري الذي بقي هدفاً كبيراً للقوات الأمريكية طيلة الأشهر الماضية، وقد أُلحق الدمار بجامعين هما: جامعا الحسين والحسن.
5) ولحق بجوامع حي الجبيل نصيب من الدمار، وعن مساجده فقد دمِّر فيه جامعا معاوية، وحسين شلش.
وبالطبع فإن الأحياء الخمسة المذكورة آنفاً هي ما يمكن الوصول إليه من خلال المعلومات وشهود العيان، وربما تكون هناك أشياء أخرى كثيرة ستكشف عنها الأيام القادمة.
المؤسسات الصحية
نالت المؤسسات الصحية هي الأخرى نصيبها من الدمار والخراب بشكل عام، ففي بداية الهجوم على الفلوجة كان الهجوم على مستشفى المدينة الوحيد من قبل القوات الأمريكية والحرس الوطني مما أدّى إلى اعتقال العشرات من الأطباء والعاملين فيه بل وحتى المرضى داخل المستشفى، وبعد ذلك قامت القوات الأمريكية بضرب المستشفى الميداني والكائن في حي نزال القريب من وسط المدينة، وهذا قبل البدء بالهجوم، أما ما يُعرَف بالمستشفى البديل، والذي أُعِد على عجل وسط الفلوجة؛ فقد دُمّر تدميراً كاملاً عندما قصفته الطائرات الأمريكية إبّان هجومها، وقُتِل وأُصِيب فيه العديد من الأطباء والمرضى، والذين أُصِيبوا لم يتمكن أحد من الوصول إليهم ليومين لشدة القصف على المدينة.
كما لم يسلم المركز الصحي البديل المُقام في جامع الفردوس في الفلوجة والذي أقامه متطوعون من أهل المدينة، لم يسلم هو الآخر من القصف الأمريكي، وبقي مركز الحضرة المحمدية في حي الضباط والقريب إلى المدخل الشرقي لمدينة الفلوجة الوحيد الذي يعمل.
مناطق النزوح
رغم كثرة الحديث عن قوافل المعونات والإغاثة إلا أن كثرة الحديث هذه لم تقنع القوات المسيطرة على المدينة من بالسماح لها بدخول قوافل الإغاثة، وكان مجمل ما سُمِح له قافلة واحدة تابعة للهلال الأحمر العراقي، وأفرغت القافلة حمولتها في المركز الصحي الوحيد في المدينة.
شهدت المناطق المحيطة بالفلوجة نزوحاً كبيراً لأهالي المدينة، ومنها عامرية الفلوجة جنوب المدينة، والصقلاوية في الشمال الغربي منها، بالإضافة إلى المدينة السياحية في الحبانية، لكن هؤلاء النازحين لم يكونوا بأوفر حظاً ممكن كان في الداخل. كما شهدت عامرية الفلوجة نزوحاً، وتضمّ ما لا يقلّ عن ألفي عائلة نازحة، سكنت أغلب هذه العوائل في المدارس والدوائر الحكومية ومنازل بعض العائلات الموجودة، فضلاً عن مخيم يضم سبعين خيمة، وفي ظروف حياتية وصحية سيّئة خصوصاً مع حلول فصل الشتاء، والحاجة الماسّة لهذه العائلات لأبسط مستلزمات توفير الدفء، وتبدو الصورة أكثر قتامة مع الحديث عن نزوح عدد كبير من العائلات من القرى المجاورة للفلوجة، والتي ابتليت هي الأخرى بحملات دهم وتفتيش واعتقالات واسعة طالتها على يد القوات الأمريكية تزامناً مع الهجوم على الفلوجة.
أما مدينة الصقلاوية -والتي تقع في الشمال الغربي من الفلوجة- فتضمّ الآن أكثر من أربعة آلاف عائلة يعانون من نفس الظروف العصيبة، فضلاً عن ابتلاء المدينة منذ أول أيام الهجوم على الفلوجة من انقطاع الماء والكهرباء، ونفاد الأغذية والأدوية بسبب حصار قاسٍ تفرضه القوات الأمريكيّة منذ ذلك التاريخ ليحرّم دخول أي معونات طبية أو غذائية إلى الناس هناك.
أهالي مدينة الصقلاوية الذين استضافوا هذا العدد الهائل من العوائل أكملوا صنيعهم الحسن تجاه أهالي الفلوجة، وتطوعوا لإخلاء الجثث من الفلوجة المجاورة، لكن هذا الجهد توقف بسبب دواعٍ أمنية كما تقول القوات الأمريكية، في حين برزت المعاناة الإنسانية لأهالي المدينة في عدم استطاعتهم التعرّف على جثث أبنائهم التي أُخليت.
الوضع الميداني
ليس سهلاً أن تتعرف على مجمل أوضاع الفلوجة سواء من الناحية الميدانية أو الإنسانية ذلك أن "الدخول ممنوع " فالدبابات والأعداد الكبيرة من الجنود تأتيك بالخبر قبل وصولك هناك، إلا أن الوضع العام (ومن خلال تصريحات الشهود الذين خرجوا من المدينة) يُنبئ بكارثة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وإن تجنب مسؤولو الحكومة قول هذا.
فميدانياً لا تزال الفلوجة -وبسبب شحّ المعلومات- لا يزال الوضع فيها يكتنفه الغموض، لكن القوات الأمريكية الآن تسيطر على الشوارع الرئيسة والطرقات الفرعية للمدينة؛ إذ تشهد هذه الشوارع حركة مستمرة للآليات الأمريكية، فيما تقوم قوات المارينز بعمليات اقتحام للمنازل والأبنية لكن هذه الاقتحامات تتخللها -في بعض الأحيان- مفاجآت غير سارّة للقوات الأمريكية؛من انقضاض بعض المقاومين، أو انفجار بيت ملّغم على الجنود.
أما القصف بالمدفعية والطائرات لأحياء الجولان، ونزال، والشهداء، والجبيل، فلا تزال مستمرة، ولكن بشكل متقطع خلال الأيام الماضية، فيما شهد حيّا نزال والشهداء اشتباكات متفرقة بين مسلحين والقوات الأمريكية.
ولم تقتصر آثار الدمار على الأبنية أو المناطق فحسب، بل امتدت آثار الدمار حتى شملت شبكات الماء والكهرباء والاتصالات والأبنية والمنازل، فضلاً عن الحي الصناعي بما يحتويه من ورش ومصانع بشكل كامل.
وأخيراً فإن ذلك ليس نهاية المطاف؛ فلا تزال الاشتباكات المتقطعة تدور في شوارع الفلوجة وغير شوارع الفلوجة، مما يعني أن سلاحاً في أرض العراق مازال يُوجّه إلى صدور الغرباء عنه.