|
( وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) إبراهيم30 .
فكان عاقبة تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم، ونظاما غير الذي وضع لهم الجوع والفقر ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.
(وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) سبأ : 16/18.
ثم جاءت رسالة الإسلام لتصحيح الأوضاع، وإعادة البشرية إلى نظام فطرتها الأولى في عقيدتها وشعائرها وشرائعها، في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والحكم والقضاء ...
ولم يكن موضوع الأرض بالأمر الهين الذي يترك لاجتهاد البشر ، أولم ينظمه الوحي أولم تنزل من أجله الآيات البينات ؛ لاسيما وهو متعلق بأمرين :
متعلق بالعقائد، لأنه معلم من معالم الإيمان.
ومتعلق بأرزاق الناس، لأن الله سبحانه تعهد بضمانها وتوفيرها.
إن الإسلام الذي نظم أدق الأشياء في حياتنا وأصغرها كإماطة الأذى عن الطريق، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، ما كان ليترك موضوعا خطيرا كموضوع الأرض، متعلقا بدنيا الناس وآخرتهم بدون تشريع أو تنظيم ، فكيف كان تشريعه في هذا المضمار؟، وكيف أعاد البشرية إلى نظام الفطرة الأولى؟
إن التشريع الإسلامي عودنا أسلوبين في معالجة قضايا الإنسان المادية والمعنوية...
في موضوع العقائد أمرنا بالتحول من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد طفرة واحدة، بدون تدرج، لأن الأمر متعلق بالقلوب والعقول والاقتناع؛ أما في ميدان الماديات، والإنسان متعلق بها وقد زينت له (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) آل عمران : 14 فإن الله سبحانه وتعالى قد سلك بنا فيها سبل التدرج ، من السهل إلى الصعب ، إلى الأصعب، من البسيط إلى المركب، من السفح إلى النجد إلى العقبة، وما أدراك ما العقبة.
نفس الأسلوب اتبع عند تحريم الخمر والنفس متعلقة بها، فثمرات النخيل والأعناب رزق حسن، ولكنه يستخدم أحيانا لغير ما خلق له، سكرا وتغييبا للعقول :
(وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) النحل : 67.
ثم إن الخمر إثمه أكبر من نفعه (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) البقرة :219
والخمر بعد ذلك لا تجوز به الصلاة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) النساء : 43 .
والخمر في نهاية المطاف حرام مطلقا (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة 90.
نفس الأسلوب اتبع عند تصفية الرق ونظامه، بإغلاق روافده، وفتح أبواب تصفيته بالعتق والكفارة والتطوع والمكاتبة ...
كذلك الشأن في موضوع الأرض وهو أشد خطورة وأكبر شأنا من قضيتي الخمر والرق.
إن التشريع الإسلامي سار متدرجا عند إعادته لعلاقة الناس بالأرض إلى وضعها الطبيعي الفطري ...
دعاهم أولا إلى الإسلام، ثم عاملهم بما يناسب نوع استجابتهم للدعوة، وقسمهم إلى فئات:
- فئة أسلمت على أرضها.
- فئة رضخت للصلح على شروط.
- وفئة حاربت وانهزمت.
ثم بعد ذلك نزلت التشريعات الموحدة للحكم الشرعي في موضوع الأرض، مبينة في وضوح تام لكل من تتبع مسيرة التشريع الإسلامي وخط سيره في هذه القضية، أنه يهدف دائما إلى غاية رئيسية أساسية هي أن تعود للأرض صبغتها الأولى، ومهمتها التي خلقت من أجلها، أن تعود الأرض مهدا ومستقرا ومصدرا لرزق الجميع سواسية، ومعلما من معالم الإيمان بالله ووحدانيته وقيوميته على خلقه.
وقد ميز التشريع الإسلامي بادئ ذي بدء بين نوعين من الأرض :
1 - نوع ضرب على أيدي محتكريه ووضع بيد المسلمين عامة، مباشرة وبدون تدرج، وهو أرض العنوة، والأرض الصوافي والعادية.
2 - ونوع آخر أقر أصحابه على ملكيتهم له مرحليا ، ثم أعيد بالتدريج إلى وضعه الطبيعي الفطري كالنوع الأول بواسطة التشريعات النبوية المنظمة للاستغلال والاستثمار والتصرف، وهو الأرض الموات إذا أحييت ، والأرض التي أسلم عليها أهلها، أو صالحوا عليها ، أو عطلوها فأحياها غيرهم.
ونتناول كل واحد من هذين النوعين بالتفصيل والبيان :
أولا : أرض للمسلمين عامة إلى يوم القيامة :
وهي الأرض التي وضعت مباشرة وبدون تدرج، بيد المسلمين عامة جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، يأخذ منها كل واحد حاجته ، وما فضل من ذلك ينفق في المصالح العامة للأمة، وهي أرض العنوة وأرض الصوافي والأرض العادية:
أرض العنوة
وتسمى أرض الفيء، من قوله تعالى : (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) الحشر : 7، كما تسمى أرض الخراج من قوله تعالى : (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) المؤمنون : 72، وهي كل أرض فتحها المسلمون عنوة بالسيف والغلبة.
وأكثر بلاد المسلمين عربا وعجما فتحت عنوة :
بلاد العرب من المحيط إلى الخليج باستثناءات قليلة جدا فتحت عنوة : الشام بما فيه سورية ولبنان ، فلسطين والأردن باستثناء بعض المدن ، والحجاز باستثناء المدينة المنورة ، ونجد والعراق ومصر والمغرب العربي كله (موريتانيا، المغرب ، الجزائر ، تونس ، ليبيا ، والصحراء الكبرى) كلها فتحت عنوة .
بلاد العجم كذلك باستثناءات قليلة فتحت عنوة، فإيران وباكستان والهند وأفغانستان وما جاورها كلها فتحت عنوة، والسنغال ومالي والنيجر إلى بحيرة تشاد نالها الفتح المنطلق من مراكش في العهدين المرابطي والموحدي.
كل هذه الأراضي وما في حكمها تعتبر ملكا لعموم المسلمين جيلا بعد جيل، إلى يوم القيامة، بحيث يحرم تمليكها للأفراد أو المؤسسات مهما كان نوع التملك وشخص المتملك، وهذا الحكم مأخوذ من القرآن الكريم ، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمعت عليه الأمة، وحكم به الخلفاء الراشدون.
أما حكم القرآن الكريم فمأخوذ من قوله تعالى في سورة الحشر(مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ...) إلى قوله تعالى (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ..) إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ..) .
أما سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه عندما خصه القرآن بأرض بني النضير التي أجلي عنها أصحابها بدون قتال في قوله تعالى (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء..) كان يأخذ منها نفقة سنة له ولأهله ثم يجعل الباقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، وفي نهاية الأمر جعلت لابن السبيل صدقة، وقد أخرج البخاري في صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا ينفق على أهل بيته، قال ابن عبدة: ينفق على أهله قوت سنة فما بقي جعل في الكراع وعدة في سبيل الله عز وجل.
أما أرض خيبر فقد ورد في خراج أبي يوسف ـ ص 50 – 51 أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أهل خيبر بالنصف فكانت في أيديهم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة أبي بكر وعامة ولاية عمر، كما نزل أهل فدك للنبي صلى الله عليه وسلم على ما نزل عليه أهل خيبر، على أن يصونهم ويحقن دماءهم فأقرهم صلى الله عليه وسلم على مثل معاملة أهل خيبر، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل و لا ركاب. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما سيكون من وضع المسلمين الخراج على أراضي العنوة وتركها وقفا عليهم إلى يوم القيامة، وهذا من أعلام النبوة كما قال الشوكاني في نيل الأوطار 8/17.
وقد قال القرطبي ـ 8/4 ـ عند شرحه للآية 41 من سورة الأنفال (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ ): (ومما يصحح هذا المذهب ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مديها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها ثم عدتم من حيث بدأتم، قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه ) قال الطحاوي: " "منعت" بمعنى : ستمنع ، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين ، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم ، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء والله تعالى يقول : ( وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ) بالعطف على قوله : ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ).
ويقول الشوكاني: نيل الأوطار 8/17 : "قد علم عليه السلام بأن الصحابة يضعون الخراج على الأرض ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك بل قرره لهم وحكاه لهم".
وأما إجماع الأمة فقد تم عندما جمع عمر بن الخطاب المسلمين للمشورة في قسمة أرض العراق التي فتحت عنوة، ثم خاطبهم قائلا: ( إني لم أزعجكم إلا لتشتركوا في أمانتي، فيما حملت من أموركم وإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي فيه، معكم من الله كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده، ما أريد به إلا الحق ).
|