هــذا هــو الإســلام
نساء تحدث عنهن القرآن الكريم
هـ: مريم ابنة عمران
بقلم : فضيلة الإمام الأكبر
د. محمد سيد طنطاوي
شيخ الأزهر الشريف
انتقلت السورة الكريمة إلي الحديث عن مشهد جديد من مشاهد تلك القصة العجيبة, مشهد مريم عندما جاءت بابنها عيسي ـ عليه السلام ـ إلي قومها, وبيان ما قالوه لها, وبيان ما قاله لهم ابنها ـ عيسي عليه السلام ـ في الرد عليهم.
القرآن الكريم, يقص تلك المحاورات بأسلوبه الحكيم فيقول[ فآتت به قومها تحمله, قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا, يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا, فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا, قال اني عبدالله أتاني الكتاب وجعلني نبيا, وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا.. وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا, والسلام علي يوم ولدت, ويوم أموت, ويوم أبعث حيا[ سورة مريم: الآيات33/27] وقوله ـ سبحانه: فأتت به قومها تحمله.. معطوف علي كلام محذوف يفهم من سياق القصة. فعندما أبعدها قومها ومعها وليدها دهشوا وتعجبوا وقالوا باستنكار يامريم لقد جئت شيئا فريا أي: قالوا لها لقد فعلت شيئا.. منكرا.
ويدل علي أنهم بقولهم هذا يقصدون الاساءة إلي مريم: قولهم بعد ذلك: يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا.
أي:: أنت يامريم لم يكن أبوك في يوم من الأيام رجلا معروفا بارتكاب الفاحشة, وإنما كان معروفا باستقامته وطهارته, وكذلك لم تكن أمك في يوم من الأيام معروفة بانحرافها عن طريق الفضيلة, بل كانت مثالا للطهارة والنقاء والعفاف.
وليس المقصود بهارون الذي جاء في الآية الكريمة, هارون أخا موسي ـ بن عمران عليهما السلام ـ وإنما المقصود به رجل من قومها معروف بالصلاح والتقوي, فشبهوها به.. أو المقصود به آخ لها كان يسمي بهذا الاسم, وكان ـ ايضا ـ معروفا باستقامته وطهارته.. أي: يا أخت هارون في كثرة العبادة والتزام الفضائل.
ويوضح القرآن الكريم أن مريم تركت أمر الدفاع عنها لابنها فيقول: فأشارت إليهأي: فأشارت إلي ابنها عيسي ـ عليه السلام ـ ولسان حالها يقول لهم; وجهوا كلامكم إلي ابني فانه سيخبر كم بحقيقة أمري وأمره, وحالي وحاله! ولكنهم لم يقتنعوا باشارتها, بل قالوا لها بشيء من التعجب: كيف نكلم من كان في المهد صبيا أي: قالوا لها: كيف نكلم صبيا صغيرا مازال في مهده وفي حال رضاعه؟!
ولكن عيسي ـ عليه السلام ـ أنطقه الله ـ تعالي ـ بما يشهد بصدق أمه مريم ـ وبطهارتها وبعفافها وبحصانتها ـ من كل ما لا يليق بالشرفاء الأخيار فماذا قال لهم؟
قال اني عبدالله أي: قال عيسي ـ عليه السلام ـ في رده علي المنكرين علي أمر اتيانها به دون أب شرعي: إني عبد من عباد الله ـ تعالي ـ أوجدني بقدرته التي لايعجزها شيء فأنا عبده, وأنتم ـ أيضا عبيده ـ وهذا الخالق العظيم أتاني الكتاب أي: سبق في قضائه اعطائي التوراة أو الانجيل أو مجموعهما! وعبر في هذه الجملة وفيما بعدها بالفعل الماضي عما سيقع في المستقبل: تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع الفعلي.
وقوله: وجعلني ـ نبيا فضيلة ثالثة من الفضائل التي أكرم الله بها عبده عيسي ـ عليه السلام ـ وقوله تعالي وجعلني مباركا أينما كنت: فضيلة رابعة من الفضائل التي مدح ـ الله تعالي ـ بها نبيه عيسي عليه السلام أي وجعلني ربي بفضله واحسانه كثير الخيرات والبركات أينما حللت وحيث ما كنت.
وفضلا عن كل ذلك فقد أوصاني خالقي ـ عز وجل ـ أن أحافظ علي الصلاة وعلي أداء الزكاة مادمت حيا في هذه الدنيا ـ وأوصاني ـ أيضا ـ أن أكون بارا ومطيعا لوالدتي مريم ومحسنا اليها.
ولم يجعلني ـ سبحانه ـ بفضله وكرمه ـ جبارا شقيا ـ أي: ولم يجعلني مغرورا متكبرا مرتكبا للمعاصي وللموبقات التي نهاني ـ سبحانه ـ عن الاقتراب منها.
ثم ختم عيسي ـ عليه السلام ـ رده علي الذين أساءوا الظن بوالدته بالثناء علي نفسه وعلي والدته الطاهرة القانتة بقوله: والسلام والأمان منه ـ تعالي ـ علي يوم ولدت من رحم أمي التي أنبتها الله ـ بفضله وكرمه ـ نباتا حسنا ويوم أموت مفارقا هذه الدنيا ويوم أبعث حيا للحساب والجزاء يوم القيامة, فأنت تري ـ أن عيسي ـ عليه السلام ـ في هذه الآيات قد لبي نداء واشارة أمه في الدفاع عنها, ووصف نفسه وهو قطعة منها بمجموعة من الصفات الفاضلة, افتتحها بصفة العبودية لله رب العالمين لارشاد الناس إلي تلك الحقيقة التي لاحق سواها, ولتحذير أعدائه من وصفه هو وأمه بأي صفة بعيدة عن الحق والصواب, واختتمها برجاء الأمان والسلام له ـ ولوالدته في جميع أطوار حياتهما.