|
الجزء الثامن والاخير...........
وأخذت أمازحها .. استبطأت أمها عودتها ، فجاءت إلى حيث الباب ، فرأتها معي .. صرخت :
- تعالي يا بنت ..
ثم وجهت الكلام لي :
- لم لا تكفينا شرك ..؟
– أم محمد .. أنا سأذهب .. لكن ، ليس قبل أن أعرف السبب ..
– أما تخاف الله .. تستغل حاجتنا .. وضعفنا .. وقلة حيلتنا لتخدع فتاة بريئة ..
أحسست كأنما دق في صدري وتد هائل .. انقبض قلبي وزادت دقاته
وعجزت أن أتتنفس .. وشعرت بحاجة للجلوس .. فارتميت على عتبة الباب
وخانني الدمع .. فتفجرت عيناي .. رفعت وجهي إليها ، الذي غدا ، والدمع يملؤه
كغدير ماء ضحل خاضت فيه السنابك ..
– إتق الله .. فأنا لا أتحمل مثل هذا الكلام .. ولن أغادر عتبة بابك حتى أعرف القصة كاملة ..
كأنما شكت فيما لديها ، مما تعتقد أنه حقائق ، وهي ترى الألم .. والذهول .. والصدمة
تتصبب من قسمات وجهي صبا .. أو هكذا ظننت ..
– تفضل ..
دخلت وأخذت مكاني المعتاد في الديوانية .غابت عني دقائق ثم عادت ومعها مريم ..
ووقفت أمامي .. ثم قالت ، وهي تشير إلى مريم بصوت مملوء بالغضب ..
– ما قصة هذه الملعونة ..؟
ثم لطمتها لطمة أطارت غطاء وجهها ..
كان مشهدا صدع قلبي .. ذلك الوجه اللؤلؤي البديع غدا كقطعة كهرمان ..
من الكدمات السود التي انتشرت فيه ، نتيجة لتعرضه لضرب قاس وعنيف ..
إلتقطت مريم غطاء وجهها ، ولحظتني بطرف كسير ..
أتى على البقية الباقية من نفسي .. ثم قبعت عند الباب .. كما أمرتها أمها ..
حكيت لها قصتي مع مريم كلها .. ثم قلت :
- أريد أن أحدثك حديثا خاصا .. قبل أن أمشي ..
أشارت إلى مريم بالانصراف ..
– البنت طفلة بريئة .. ضحية ظروف كثيرة ، لا تستحق هذه القسوة ..
والقسوة لا تحل مشكلة .. إن كانت موجودة .. هي قد ارتكبت خطأ .. نعم .. لكن تم تداركه والحمد لله ..
– محمد ..
هكذا نادتني .. باسمي مجردا .. والبكاء يغلبها ..
إنها لحظة الضعف البشري .. التي تنسى كل البروتوكلات ..
لحظة .. يتحول الانسان كله إلى ما يشبه يد غريق .. تمتد من خلال الموج .. لتتمسك بأي قشه ..
– أنت لا تعرف أي شئ مثلت لي خلال هذا الأسبوع ، قبل أن أكتشف قصة مريم أنا إمرأة ضعيفة .. أم بنات .. مشلولة الإرادة .. مستهدفة .. أعيش حالة من الذل مستمرة .. إن ذهبت للبقالة .. لا يخلو خطاب العامل الهندي لي من تلميحات .. إن سرت في الشارع .. كل الرجال يعتقدون أني مستعدة لتقديم شيء ..
قبل أن أتوقف عن الذهاب إلى بيت الذل )
الذي يسمونه (بيت الزكاة .. كنت أعاني العذابين .. لو لم يكن فيه من بلاء إلا مكانه .. لكان يكفي ..
ثم وصلـت إلى لحظة من الضعف .. فبدأت تبكي كالأطفال ..
وحاولت أن تتكلم ، فلم تقدر.. شعرت أن جوارحها كلها تصرخ ..
وتتدافع إلى حنجرتها ،لتأخذ دورها في الشكوى ..
ثم قالت ، وهى تنتزع آهة من أعماقها .. وبصوت يشبه العويل :
- لا يمر أسبوع إلا وتمر علي أم سعد .. تغريني كثيرا .. وتهددني بخطـف بناتي أحيانا ..
– من هي أم سعد ..؟
– قواده ..
وحاولت أن تستمر ، لكن غلبها البكاء .. فتوقفت .. وأخذت تنشج ، حتى ابتل غطاء وجهها ..
استأنفت الحديث ، بعد أن تمالكت نفسها :
- قواده ..
تقول لي .. مـرة في الاسبـوع .. خمسمائة دينار في الشهر ..
ومصروف جيب للأولاد .. و "تحبين يدك مقلوبة" ..
بسرعة ترى شبابك ينقص كل شهر .. وليس كل سنة ..
حقيقة .. لم استطع أن أتكلم .. أو أعقب ، واستمرت هي في الكلام ..
- في كل مرة تجيء بسيارة أحسن من التي قبلها .. آخر مره قالت لي :
"إسمعي نصيحتي يا ساره ، إذا أنت مبسوطة من عيشة النكد والفقر التي أنت فيها ..
حرام تحرمين مريم من فرصتها .. مريم بنية حلوة .. وكثيرون سوف يدفعون ..
لقد كاد أن يصيبني الجنون ، عندما اكتشفت قصة مريم بالصدفة .. قلت .. أكيد صادتها أم سعد) .. أ
نا أعيش كابوس اسمه (أم سعد .. الله يلعن القوادات .. أنا من يفكني منها ..؟
من يفكني ..؟
تلومني يا محمد إذا طردتك ..؟
تلومني إذا كفرت بالبنت .. وضربتها بهذا الشكل ..؟
في البداية .. قلت ، أنت نازل علي من السماء .. ثم لما غلطت مريم
وقالت لإخوانها أنها أكلت في مطعم .. حسبت أنك .. حاشاك .. من كلاب أم سعد ..
استمرت تتكلم وأنا مطرق رأسي .. عقدت لساني الصدمة .. وأخرسني الألم ..
وأخذت أشعر أني أتضاءل أمام معاناتها .. تتشبث بي .. وأنا أفكر بالفرار ..
لا أستطيع أن أتحمل معاناتها .. وأشعر بالعجز حيال ما تواجهه ..
كيف أفكها من أم سعد ..؟ كيف أساعدها ..؟
كيف أستطيع أن أقف معها ..؟ وإلى متى ..؟
بين كل عبارة وأخرى تكرر ..
"حنا محتاجينك" ..
وأنا قد سيطر علي تفكير واحد .. أن أنسحب ..
أن أهرب .. إلى عالمي الأناني .. البليد ..
أفكر بربطها بإحدى المبرات الخيرية .. وأخرج من عالمها .. وأرتاح ..
قلت .. وأنا أنهض :
- أستأذن يا أم محمد ..
- ستتركنا ..؟
– سأسعى لوضع ترتيب لكم مع إحدى الجمعيات الخيرية ..
– نحن لا نحتاج خبزا وزيتا ..
ثم أضافت والعبرة تخنقها ..
نحتاج إنسانا يقف بجانبنا ، ويحمينا … نحتاجك ..
وأجهشت بالبكاء ..
– أنا شخص مشغول .. وأنتم بحاجة إلى جهة تلتزم تجاهكم بكل شئ ..
– ستتركنا ..؟
انتزعت الكلمة هذه المرة ، من أعماقها ، والدمع يكاد يشرقها ..
– من الأفضل لك أن أبتعد .. ترددي عليكم قد يثير حولك أقوال .. أنت بغنى عنها ..
قلتها ، وأنا قد امتلأت بالدمع حتى فاض ، أو كاد أن يفيض .. من عيني ..
– لكننا نريدك ..
ثم أضافت .. :
- كل الناس حولي هنا لا يسلمون من كلام مثل هذا ..
قدر المحرومين ، والبؤساء أن يحرموا حتى من السمعة الطيبة .. لكن ، أنت شيء مختلف ..
–لم أرد .. وكنت ما أزال واقفا .. حينما ألقت علي عرضا مثل القنبلة :
- أزوجك مريم ..
فاجأني كلامها .. فلم أدر ما أقول .. ولم تعطني فرصة للتفكير .. فأضافت :
- أنا أعرف ماذا يدور في ذهنك .. صحيح نحن لسنا كويتيون .. كما يقولون ..
لكن الحمد لله .. محافظون على أخلاقنا .. وديننا ..
ثم .. إذا لم نكن كويتيون .. فهذا قدرنا .. ماذا نفعل ..؟
ونحن .. كذلك .. لم ننزل من القمر ..
. لم يكن لدي شيء أقوله لها .. استدرت خارجا ..
قبل أن أصل الباب الخارجي سمعت صوت عبد الله خلفي .. يناديني :
- محمد .. محمد .. وهو دائما يناديني هكذا ، باسمـي مجردا من أي لقب ..
ألتفت إليه .. فالتقـت عينانا ، أنا بما بقى لي من نظرة واهية كسيرة .. خضبها الدمع .. وأضناها الألم ..
وهو بنظرة اختزلت ذل اليتم .. والعجز .. والحاجة .. ونقاء الطفولة .. إذ يشرع القلب لها أبوابه .. بلا مقاومة ..
قال :
- صحيح .. أنت قلت أنك سوف تخرج بنا إلى البر .. نلعب كوره ..؟
– صحيح يا حبيبي ..
– متى ..؟
عند هذه اللحظة كان العناء .. والألم ، والصراع النفسي ، قد بلغ لدي درجة
صرت أشعر فيها أنني قد تحولت إلى كتلة من الدمع والأنفس الحيرى ..
وأنني أحتاج إلى صدر لأدفن فيه رأسي .. وأبكي .. ثم أبكي .. ثم أبكي .. قلت له :
- الآن يا حبيبي ..
أقتربت منه .. وجلست أمامه وأخذته إلى صدري .. وضممته ..
ثم وضعت رأسي على كتفه .. وبكيت ..
لا أدري كم بكيت .. لكنه استسلم لي .. ومنحني كفا .. مسح بها رأسي .. وعبث بها شعري ..
وسلمني كتفه لأبكي عليه ..
حينما أفقت من سكرة الألم هذه .. ورفعت رأسي ..
كانت إبتسام واقفة قريبا منا ، في عينيها دمعتان ..
وألقيت نظرة على وجه عبد الله .. كان الوجه الصغـير مخضلا بالدموع ..
من داخل البيت كان صوت جهاز التسجيل يأتي ، محملا بكلمات أغنية .. تقول :
أحبك .. لو تكون ظالم ...
أحبك .. لو تكون هاجر ... أحبك .. لو تكون غادر ..
وأمشي معاك .. للأخر ... أنا أمشي معاك .. للآخر ..
لم يكن قلبي بحاجة لمثل هذا الكلام .. كان ينزف ..
قلت لإبتسام :
- من الذي يشغل المسجل ..؟
– مريم ..
عرفت أنها توجه لي رسالة ..
– قولي لها تغلقه .. أنا لا أحب سماع الأغاني ..
قبل أن أنهي عبارتي كانت قد انطلقت إلى داخل البيت .. تصرخ في مريم
تطلب منها إغلاق المسجل .. لأنني “ما أحب سماع الأغاني” .. ثم أضافت من عندها ..:
“ وإلا ترى ما نأخذك معنا للبر ..” .
ركبنا السيارة جميعنا .. ومررت على أحد المطاعم ، وطلبت لنا عشاء
ثم توجهت إلى الدائري السادس.. وأخذنا مكانا منعزلا ..
أخرجت بساطا ، أحمله معي في السيارة ، وفرشته لهم
وأعطيتهم الأكل ، بعد أن أخذت نصيبي ..
مشيت مبتعدا .. وأنا أسمع ضحكاتهم تدوي في أذني .. وتهديدات إبتسام
بأن الذي لا يسمع الكلام “لن يخرج معنا مرة ثانية” .
كنت قد ابتعدت ، غابت الأصوات .. ولم يبق إلا كلمات الأغنية .. تتردد في ذهني ..
ودقات قلبي .. الذي ما زال ينزف ..
The End
_________________
وان شاء الله تكون اعجبتكم القصه...
لكم خالص ودي
|