- {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.
وصورة هذا التفضيل ظهر في أمور هي:
أولا: أن الله تعالى سخر له الأشياء: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه}.
ثانيا: أنه ميزه بهيئة خاصة، تعينه على استثمار النعم المسخرة له، فهو قادر على الصنع، والإتقان، وتحضير الأطمعة المركبة، بما وهب من العقل، وحسن الهيئة، واليدين، فكلها مجتمعة تميزه.
ثالثا: أنه ميزه بالقراءة، والكتابة، والتعلم: {الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان}، {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم}.
رابعا: تميز باجتماع جميع قوى الموجودات فيه، فهو في هذا نقطة جمع لجميع صفات المخلوقات، فما تفرفت فيها اجتمعت فيه، وهذا مقتضى قوله: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم}:
- ففيه: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة.
- وفيه شبه من البهائم، فيه: الإقدام كالأسد، والعدو كالفهد، والاختيال كالطاووس، والدهاء كالثعلب، والحرص كالنمل، والإصلاح والنفع كالنحل.
- كما أن فيه من شر أخلاق البهائم، وكذا الشياطين، من: شره، وعيث، وبلادة، وفظاظة، وليس بها يفضل، بل يفضل بمغالبتها، فما وضعت فيه، إلا لبيان فضله في قدرته على كبتها، وحكمها، ولجمها.
- وفيه من صفات الملائكة، من: طهارة، ونقاء، وصفاء، وطاعة، وامتثال، وعبادة، ونفع، وبركة.
وفائدة معرفة هذه الخصائص الآدمية للإنسان: أنه بها يعرف فضله، وتكريمه، وبها يحقق لنفسه الفضل:
- فيسعى في تحصيل الفضائل، والترفع عن الرذائل.
- ويغتنم جميع القوى النافعة فيه، فيستغلها كامل الاستغلال بما يعود بالنفع في الدارين.
- ويجد في التعلم، والتعليم.
- ويستثمر ما سخر له من المخلوقات، بما ينفع.
- وأن يكون ابنا لأبيه آدم في الصلاح، والطاعة، والتوبة، والاستغفار، والإنابة، فيحقق بنوة الصلاح والتقى، كما تحقق له بنوة النسب والصلة.. ويحذر أن يكون ابنا لإبليس في الحقد، والحسد، والمعصية.
- أنت مسلم!.
هل تعلم ما معنى كونك مسلما؟.
إن معنى ذلك: أنك قريب من الله تعالى، من بين سائر بني آدم.
وقربك منه تعالى يعني أنك أفضل وأحسن من كل أولئك الذين لم يسلموا، وبه اختصك الله بمنزلة في الدنيا والآخرة، لم يختص بمثلها الذين لم يسلموا وجوههم لله تعالى، فمن ذلك: أن للمسلم أحكاما في الدنيا والآخرة، ليس لغيره ممن كفر بالله تعالى شيئا منها:
- فحرمتك، ودمك أعظم من الدنيا، وأهل الأرض جميعا، فلا دم يكافئ دم المسلم:
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)، (لو أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار).
وأعضاءك مكرمة، محرمة، لا يجوز الإضرار بها، فكل شيء فيك اثنان، ففي كل واحد منهما نصف دية النفس، كاليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين.. وكل شيء فيك واحد، ففيه الدية كاملة، كالعقل، والذكر، واللسان، والأنف.
والله تعالى كتب لك في هذه الدنيا الحياة الطيبة، والعيشة السعيدة، ومكانك في الآخرة في جنات عدن:
- {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار}.
فإذا عرفت منزلتك عند الله تعالى، فواجب عليك: العزة، والرفعة، والعلو بالإيمان، والقرب من الله تعالى، فمن كان قريبا من الملك حق له أن يفتخر، ويعز، لكن بغير ظلم، ولا عدوان، قال تعالى:
- {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}، {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.
هذا هو أنت أيها الإنسان، فهل عرفت قدر ما لك؟.
وهل أدركت عظم ما عليك من مسؤولية؟.
فالمسئوليات مرتبة على التكريمات، فليس من خص بشيء، كمن لم يخص، وليس من قرّب، كمن لم يقرّب، وليس من اصطفاه الله تعالى وفضله، كمن لم يصطفه، ولم يفضله. وما ذكر من وظائف وأعمال مترتبة على الخصائص، لم يكن إلا إشارات يسيرة، والمسألة تحتاج إلى بسط، وهذا ما سيكون.
فاعرف نفسك جيدا، واربأ بها أن ترعى مع الهمل..!!. لكن ما دورك؟.
(ما دورك)؟.
بعد أن عرفت: من أنت؟، جاء الدور لتعرف: (ما دورك)؟.
فالمعرفة إذا لم يتبعها تطبيق وعمل، فإنما هي حجة ووزر على العارف، والمشركون واليهود والنصارى لم يكن ذنبهم أنهم ما عرفوا الحق، كلا، بل لأنهم لم يعملوا بما علموه منه:
- {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}.
وليس هذا مقام تقرير هذه المسلَّمة، فيكفي فيه أن نذكّر: بأن إهمال العمل وسيلة لنسيان العلم نفسه. فإنه ما أهمل إنسان العمل: بإنسانيته، وآدميته، وإسلامه. إلا وعلمه بهذه الأصول إلى أفول.
- ما دورك أيها الإنسان، يا ابن آدم، يا مسلم، يا متبع: في هذه الحياة؟.
فيما تقدم تبين أن للإنسان خصائص هي: الظهور، والعقل، والتوسط، والآدمية، والإسلامية.
وبحكم العادة: فإن الأدوار، والوظائف، والأعمال دائما ما ترتبط بالخصائص والأوصاف، فكل خصيصة فلها دور ووظيفة، وبما أن كلامنا عن الإنسان المسلم، فلا بد إذن من أن نضمّن تلك الخصائص معاني الإسلام، لتؤدي دورا أرقى وأسمى، من مجرد كونها خصائص إنسانية، دورا يتنسم روح الإيمان، ويصطبغ بصبغة الله تعالى: {ومن أحسن من الله صبغة}، وهكذا نريد أن نعرض لكل خاصية:
الخاصية الأولى: الظهور وعلاقته بدور الإنسان في الحياة.
جاء النور وصفا للوحي المنزل، فقال تعالى:
- {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا}.
والنور صفة ظاهرة، عكس الظلام الذي هو صفة خفية، فأحكام الوحي كلها برهان، وبذلك فإنه يفترض في هذا معتنق هذا النور: أن يظهر عليه أثره: نورا، وبرهانا. في كل شيء، فالنور لا يجوز إخفاؤه.
وظهور النور عليه يعني: ظهوره به وإعلانه، وجرأته في نشره وبثه. بل لا يملك حجب ما عليه من نور ولايقدر، فيعرفه كل من حوله به، يعرف: بأخلاقه، ومبادئه، وعقيدته، وأفكاره، وأقواله، وأفعاله. كصفحة بيضاء. يراه الجميع، لا يستخفي استخفاء المنافق، ولا يتوارى تواري الجن. وهذا في الأصل، والاستثناء له أحكامه، فالمكره، والمضطر الخائف من ضرر بالغ على نفسه، أو دينه أن يفتن له حكمه الخاص.
لكن هاهنا مسألة: قد يصيب بعض أهل الحق نوع من الاستخفاء، والتردد وعدم الوضوح، ليس سببه الإكراه، بل علة أخرى في حقهم هي: عدم وضوح الحق لهم في بعض المسائل، وعدم الاهتداء إلى تحريرها.
ومرد هذه العلة: نسيان المنهج الصحيح لمعرفة الصواب في مسائل الاختلاف. فإن النصوص حمالة أوجه، وقد تسبب ذلك في اختلاف الناس، ووجد الزائغ فرصة للتلبيس، فانتشرت الأقوال المختلفة في المسألة الواحدة، فاحتار كثير من الناس لايدرون: أين الحق؟، وأين النور؟!!.
ولما كان الله تعالى قد تكفل حفظ دينه، فلم يكن من العسير الخروج من هذه المشكلة اليسيرة، وذلك إنما يكون باتباع المنهج الصحيح لحل مسائل الخلاف، وهو: اتباع فهم الصحابة رضوان الله عليهم للنصوص.
فإنهم مقدمون في الدين: كون الله تعالى رضي عنهم.. وكونهم شهدوا التنزيل.. ولأن الله تعالى بين في كتابه أنه ألزمهم كلمة التقوى، وأنهم أحق بها وأهلها، وأن من آمن بمثل ما آمنوا به فقد اهتدى، ومن تولى فهو في شقاق. إذن، لا إشكال، فكل مسألة اختلف العلماء فيها: فالصحابة رضوان الله عليهم حكم وفيصل.
وإذا تساءل أحد: ماذا نصنع إزاء ما اختلف فيه الصحابة أنفسهم؟.
فيقال: المسائل عن الصحابة أربعة:
- أولا: ما أجمعوا عليه، فالنور فيه، والظلمة في مخالفته، كما أجمعوا على كفر تارك الصلاة، وغير ذلك.
- ثانيا: ما كان عليه كبارهم، كالأئمة الأربعة، أو جمهورهم، فالنور فيه.
- ثالثا: ما ذهب إليهم بعضهم، واشتهر قولهم فيه، ولم يخالفهم أحد، فالنور فيه.
- رابعا: ما اختلفوا فيه، وتساوت أقوالهم، فالنور فيها كلها، فهنا الخلاف سائغ.
فهذا هو النور، وهو المحجة البيضاء، الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فإذا علم هذا، فقد تبين الطريق لاعتناق هذا النور، ووسيلة الاستمساك به، وكلما كان التمسك به قويا، كان ظهوره أشد وأبين، فلا يملك حامله إلا الظهور به، دون خوف أو وجل، بل بعزة وعلو بالحق، دون ظلم، ولا عدوان، يلقي بهذا النور على الناس، فيأتيهم بالطيب، والحسن، والبر، فيكون كالطبيب، يصارح المريض بمرضه، ويعالجه بصدق، ويسعى فيه بأمانة، وإخلاص، ومحبة، وشفقة.
الخاصية الثانية: العقل وعلاقته بدور الإنسان في الحياة.
العقل هو الحكمة، وحاجة الإنسان إلى الحكمة غاية في الأهمية، خاصة إذا تعلم وفهم أهمية التخلق بصفة الظهور؛ بالجرأة، والصدع بالحق، فإنه كثيرا ما يساء فهم هذا المعنى الدقيق، فيظن أن معناه: الإقدام بغير شرط، ولا قيد. وهذا خطأ، فالتحلي بالقوة، والثبات، لا يلزم منه التهور، والإقدام من غير روية، كلا، بل تجب مراعاة الحكمة، والأدب، والذوق. فالشجاعة من غير حكمة يقتل ويهلك، وإن تراجع صاحب الحق، واستعماله الحكمة في مواطن الخطر والريب: عين الشجاعة. فليست الشجاعة الإقدام كل حال، وليس الشديد بالصرعة، إنما الذي يملك نفسه عند الغضب، فالأسد مضرب المثل في الشجاعة، ثم إنك تراه في كثير من المواطن ينهزم، ويكف، ليس خوفا، ولا جبنا، لكنه يقدم حين ترجح المصلحة، ويتأخر حين ترجح الضرر، لكن تراجعه لم يكن يوما لينسبه إلى الجبن، والخور، والخوف، فالشجاع معروف، والجبان معروف، فلا تراجع الشجاع يفقده وصف الشجاعة، ولا إقدام الجبان ينفي عنه وصف الجبن.
وقد جاءت الشريعة بمراعاة المصالح والمفاسد، ودفع الضرر، وارتكاب أهون الشر، وقد قيل:
"ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر، ولكن الفقيه من يعرف خير الخيرين، ومن يعرف شر الشرين".
والنصوص أوضحت أن القوة لا تنافي الحكمة، فجاء الأمر بالصدع، كما جاء الأمر بالحكمة، قال تعالى:
- {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}.
- {فاصدع بما تؤمر وأعرض على الجاهلين}.
فعلم أنه لا تعارض بينهما، فالصدع بالحق لا يعارض إعمال الحكمة؛ فإن الإنسان في قدرته قولة الحق، مع الأدب، واللين، والشفقة، والرحمة، والمحبة.. وأما الربط بين الصدع، وبين العنف، والقسوة، والشدة، فمن أوهام الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أقوى الناس في الحق، وكان أيضا رحيما، حليما، صابرا، محبا، راجيا هداية الناس، داعيا لهم، ناصحا، مخلصا، فعلم من ذلك أنه لا تعارض.
ولو كان الدين هو الجرأة، والصدع وحده، لما أمر المسلمون بالكف عن الجهاد في مكة، ولما شرط للجهاد شروط، ولما أذن بالخدعة والكذب في الحرب، فالحكمة هو إعمال العقل ليتوقى الضرر، ويجلب المصلحة. يقول الله تعالى: {يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}.
الخاصية الثالثة: التوسط وعلاقته بدور الإنسان في الحياة.
هذه الأمة أمة الوسط، قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}.
فالوسط نعت الأمة الأعظم، وشعارها الأكبر، فهو المقياس للاتزان والتوازن، والارتكاز ونقطة الجمع، فكل ما خرج عنه فهو طرف، وهذه قاعدة كلية عامة، وهذه جملة من معالم الوسطية.
- فالوسط: إعمال النصوص كلها، والطرف إعمال بعضها، وإهمال بعضها.
- والوسط: اقتفاء أثر من سلف من الصحابة رضوان الله عليهم، فهم أمة الوسط، والطرف اقتفاء غيرهم.
- والوسط: التعبد بالقلب، واللسان، والجوارح، والطرف الإخلال بشيء منها.
- والوسط: قبول الخلاف في فروع المسائل: العقدية، والفقهية. أما الأصول (كأركان الإسلام والإيمان) فلا يسوغ قبول الخلاف فيها، فالوسط العمل بالأصول، والطرف رفضها، مع العلم أن هناك من يعبث بالأصول، فيجعلها فروعا، لكن هذه الحيلة ليست بناجحة، بعد أن تبين أن الطريق لفهم الدين الصحيح هو: اتباع الصحابة. كما وضحنا ذلك في التقسيم السابق.